د. رائد ناجي يكتب: حين يتحول التاريخ إلى قناع

دول من ورق في مسرح القوة الزائفة ليست الازمة في ان تستحضر الدول تاريخها؛ فالذاكرة السياسية، حين تكون حية، تشكل احد اعمدة الوعي الجمعي، وركيزة في بناء الاستمرارية. لكن الازمة تبدأ، بل تتفاقم، حين يتحول التاريخ من رصيد استراتيجي الى قناع هش، ومن مرجعية نقدية الى مخدر جماعي.
هنا، لا يعود الماضي مصدرا للقوة، بل يصبح بديلا عن الحاضر، وهروبا من المستقبل. ثمة دول تتحدث عن آلاف السنين، لكنها تعجز عن ادارة عقد واحد بكفاءة. ترفع شعارات الحضارة، لكنها تفشل في بناء دولة.
تلوك امجاد الامبراطوريات، بينما مؤسساتها المعاصرة تعيش حالة سيولة، بل هشاشة، تجعلها اقرب الى كيانات مؤقتة منها الى نظم مستقرة. المفارقة ليست في التناقض بين القول والفعل فقط، بل في البنية الذهنية التي ترى في التاريخ تعويضا عن العجز، لا دافعا لتجاوزه. في لحظات الضغط، تنكشف البنى. وحين تضيق الخيارات، تظهر الحقائق عارية.
هنا، نرى كيف ينسحب الخطاب من الحاضر، ويقفز مباشرة الى الماضي؛ لا حديث عن سياسات عامة، ولا عن خطط انقاذ، ولا عن رؤى مستقبلية. فقط استدعاء متكرر لامجاد غابرة، وكأن الزمن توقف هناك. كأن الحاضر خطأ عابر، والمستقبل تفصيل مؤجل. هذا النمط من التفكير لا يعكس عمقا حضاريا، بل يعكس ازمة في ادراك الزمن السياسي. الدولة التي راكمت فعلا، لا تحتاج الى الصراخ بتاريخها.
حضورها الراهن يكفي. مؤسساتها تتكلم، سياساتها تترجم، واستراتيجياتها تمتد. اما تلك التي تفتقر الى التراكم، فتجد نفسها مضطرة الى صناعة رواية، او تضخيم سردية، او حتى تزوير ذاكرة، لتملأ فراغا بنيويا في الحاضر.
وهنا تتحول السياسة الى ادارة رمزية، لا ادارة واقعية؛ الى عرض لغوي، لا فعل مؤسسي. ليس اخطر من دولة تعتقد ان التاريخ يمكن ان يعوض غياب الدولة. لان هذا الاعتقاد يبرر الكسل السياسي، ويشرعن الفشل، ويؤسس لدوامة من التبرير الذاتي.
كل ازمة تفسر بالمؤامرة، وكل تعثر يعزى الى الخارج، بينما يبقى الداخل خارج المساءلة. في هذا السياق، لا يكون التاريخ فقط قناعا، بل يصبح درعا يحمي الرداءة من النقد. ثم تأتي لحظة الاختبار الكبرى: الازمات المركبة. هنا، لا تنفع الشعارات، ولا تصمد الاساطير. الاقتصاد يحتاج الى سياسات، لا الى قصائد.
الامن يحتاج الى مؤسسات، لا الى خطب. المجتمع يحتاج الى عقد اجتماعي متماسك، لا الى استدعاء قبور الابطال. في هذه اللحظة، تتساقط الاوراق، وتظهر الدول على حقيقتها: هل هي كيانات صلبة، ام مجرد هياكل ورقية؟ الدولة الحقيقية هي تلك التي تترجم تاريخها الى مؤسسات، لا الى اناشيد. التي تحول الذاكرة الى سياسات، لا الى خطب. التي ترى في الماضي تجربة قابلة للنقد، لا نصا مقدسا. فالتاريخ، في جوهره، ليس ما حدث فقط، بل كيف نفهم ما حدث، وكيف نبني عليه. اما تحويله الى معبود سياسي، فذلك اقصر الطرق الى الجمود.
هناك ايضا بعد نفسي في هذه الظاهرة. المجتمعات التي تعيش حالة احباط مزمنة، تميل الى التعلق بالماضي كتعويض رمزي. الانظمة تدرك ذلك، فتستثمر فيه. تعيد انتاج الخطاب الحضاري، وتغذيه، وتضخمه، لخلق شعور زائف بالقوة. لكن هذا الشعور، مهما بدا صلبا في الخطاب، يبقى هشا في الواقع. لانه لا يستند الى انجاز فعلي، بل الى تخيل جماعي. والاخطر، ان هذا النمط يعطل امكانية الاصلاح. حين تعتقد انك وريث حضارة عظيمة، قد لا ترى حاجة ملحة للتغيير.
وحين تقنع نفسك بانك تمتلك عمقا تاريخيا استثنائيا، قد تتجاهل هشاشة الحاضر. وهكذا، يتحول الاعتزاز المشروع الى غرور معطل، والهوية الى قيد، بدل ان تكون دافعا. الدول لا تقاس بعمر حضاراتها، بل بقدرتها على ادارة حاضرها. ولا تقاس بعدد الملوك والامبراطوريات التي مرت على ارضها، بل بمدى قدرتها على بناء نظام سياسي مستقر، قابل للاستمرار، قادر على التكيف. الاستمرارية ليست في الزمن فقط، بل في الفاعلية.
والدولة التي لا تنتج سياسات ناجعة، ولا تبني مؤسسات قوية، تبقى، مهما كان تاريخها، دولة ناقصة التحقق. السؤال الجوهري ليس: ماذا كنا؟ بل: ماذا نحن؟ وماذا نريد ان نكون؟ هذا التحول في زاوية النظر هو ما يميز الدول الحية عن الدول الورقية.
الاولى تنطلق من الحاضر نحو المستقبل، مستفيدة من الماضي. الثانية تهرب من الحاضر الى الماضي، خوفا من مواجهة المستقبل. في النهاية، لا مشكلة مع التاريخ؛ المشكلة مع تحويله الى ملاذ. ولا ازمة في الحضارة؛ الازمة في استخدامها كذريعة. بين دولة تصنع تاريخها كل يوم، ودولة تعيش على فتات تاريخ غيرها، تتحدد الفوارق. هناك، حيث الفعل، تولد القوة.
وهنا، حيث الخطاب، يتكاثر الوهم. وهكذا، يبقى المشهد واضحا لمن يريد ان يرى: دول تبني، فتثبت. ودول تتغنى، فتتآكل. وبين البناء والتغني، مسافة اسمها الحقيقة. د.رائد ناجي اكاديمي واعلامي



