د. رائد ناجي يكتب: بين العقل والاصطفاف: هل يتعلم العقل السياسي العربي فن البراغماتية؟

في عالم لا يعترف إلا بالمصالح، ولا يقيس الفاعلين إلا بقدرتهم على تحقيقها، يظل السؤال المؤرق يتردد بإلحاح: هل استطاع العقل السياسي العربي أن يستوعب منطق البراغماتية، أم أنه ما يزال أسير الاستقطابات، يتخبط بين الشعارات والانفعالات، عاجزا عن إنتاج مقاربة عقلانية متزنة؟ إن البراغماتية، في جوهرها، ليست تخليا عن المبادئ، كما يُروَّج أحيانا، بل هي فن ترتيب الأولويات، وإدارة الممكن، وتحقيق أعلى قدر من المكاسب ضمن شروط الواقع.
غير أن الإشكالية في السياق العربي، تكمن في اختزال السياسة إما في مثاليات طوباوية منفصلة عن الواقع، أو في انتهازية مفرطة تُفرغ الفعل السياسي من أي بعد قيمي. وبين هذين النقيضين، يغيب التوازن، ويتعثر الفهم. لقد عانت المنطقة العربية، لعقود طويلة، من إرث ثقيل من الاستقطابات الحادة؛ أيديولوجية كانت أم طائفية أم جيوسياسية.
هذه الاستقطابات لم تكتف بتقسيم الجغرافيا، بل أعادت تشكيل الوعي السياسي ذاته، بحيث أصبح التفكير محكوما بثنائيات ضيقة: مع أو ضد، صديق أو عدو، ولاء أو خيانة. وفي ظل هذا النمط الثنائي، تصبح البراغماتية تهمة، ويُنظر إلى المرونة باعتبارها ضعفا، لا أداة قوة. غير أن التحولات الدولية الراهنة تكشف بوضوح أن الدول التي نجحت في تثبيت موقعها، هي تلك التي أحسنت توظيف البراغماتية دون أن تفقد بوصلتها. فهي تفاوض خصومها حين تقتضي المصلحة، وتتحالف مع من كان بالأمس خصما، وتعيد تموضعها وفق تغير المعطيات.
أما في الحالة العربية، فكثيرا ما يتم التعامل مع السياسة بمنطق الثبات الجامد، أو القفز المفاجئ غير المدروس، دون بناء استراتيجيات تراكمية. السؤال هنا لا يتعلق بغياب الذكاء السياسي، بل بغياب الإطار المفاهيمي الذي ينظم هذا الذكاء. فالعقل السياسي العربي، في جزء منه، ما يزال مشدودا إلى سرديات تاريخية، وإلى حساسيات نفسية، تجعله يخلط بين الموقف المبدئي، والموقف الانفعالي.
وهو خلط خطير، لأنه يؤدي إلى قرارات غير محسوبة، أو إلى مواقف متناقضة، تضعف المصداقية، وتربك الحلفاء قبل الخصوم. كما أن الإعلام، بدوره، ساهم في تعميق هذا الإشكال. فبدل أن يكون فضاءً للنقاش الرصين، والتحليل العميق، تحول في كثير من الأحيان إلى أداة تعبئة، تعزز الاستقطاب، وتُبسط القضايا المعقدة في قوالب سطحية. وهنا، يصبح الرأي العام نفسه جزءا من الأزمة، يضغط باتجاه مواقف متشددة، ويضيق هامش المناورة أمام صانع القرار.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هناك مؤشرات على تحول نسبي في بعض المقاربات العربية. فبعض الدول بدأت تعتمد سياسات أكثر مرونة، تنفتح على شركاء متعددين، وتوازن بين مصالح متعارضة، دون الانخراط الكامل في محاور مغلقة. غير أن هذه التحولات، رغم أهميتها، ما تزال جزئية، وغير مؤطرة ضمن رؤية عربية جماعية. إن الانتقال إلى براغماتية ناضجة يتطلب، أولا، إعادة تأهيل العقل السياسي، ليكون قادرا على التفكير المركب، لا الاختزالي.
كما يتطلب، ثانيا، بناء مؤسسات قوية، تضمن استمرارية السياسات، وتمنع تقلبها بتغير الأشخاص أو الضغوط. وثالثا، يحتاج إلى خطاب إعلامي وثقافي جديد، يرسخ فكرة أن المصالح لا تتناقض بالضرورة مع القيم، بل يمكن أن تتكامل معها إذا أُحسن تدبيرها. في هذا الإطار، يصبح السؤال الأعمق: هل نحن مستعدون للتخلي عن وهم النقاء السياسي المطلق، مقابل تبني واقعية مسؤولة؟ وهل نملك الشجاعة للاعتراف بأن العالم لا يُدار بالشعارات، بل بالتوازنات الدقيقة؟ إن البراغماتية ليست وصفة جاهزة، ولا حلا سحريا، لكنها أداة ضرورية في عالم معقد.
وإذا لم يتعلم العقل السياسي العربي كيفية استخدامها بذكاء، فإنه سيظل رهينة الآخرين، يتأثر بقراراتهم أكثر مما يؤثر فيها. في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بفهم البراغماتية، بل بالقدرة على ممارستها دون فقدان الذات.
وهنا تكمن المعادلة الصعبة: أن تكون واقعيا دون أن تكون تابعا، وأن تكون مرنا دون أن تكون بلا موقف، وأن تتحرك في عالم متغير دون أن تفقد ثوابتك. تلك هي معركة العقل السياسي العربي الحقيقية؛ معركة الوعي قبل أن تكون معركة المصالح.



