من يدفع بمصر إلى نار جهنم ؟!!
في كل مرة تشتعل فيها المنطقة ، يعود السؤال نفسه ، وكأن التاريخ يعيد طرحه بإلحاح أكبر …
لماذا يُطلب من مصر دائما أن تكون في قلب العاصفة ؟
ولماذا يُنظر إلى جيشها وشعبها كأنهم خط الدفاع الأول و الوحيد ، مهما كان الثمن ، ومهما كانت طبيعة الصراع ؟
هنا تبدأ علامات الاستفهام …!!
هل المطلوب من مصر أن تحارب نيابة عن الآخرين ؟
وهل من العدل أن تُدفع إلى صراع لا دخل لها به و لم تكن سبب من أسبابه ؟
بل إن السؤال الأهم …
من الذي صنع تعقيدات المشهد الحالي؟
هل كانت مصر هي من أنفقت تريليونات الدولارات في تأجيج صراعات إقليمية ؟
هل كانت هي من فتحت أراضيها لقواعد عسكرية أجنبية ؟
هل كانت هي من ساهمت في تفكيك بعض دول المنطقه ؟
في حين أنه في لحظات مثل هذه الاضطرابات الكبرى، و حين تختلط الحسابات السياسية و المصالح الشخصية ، وحين تقترب المنطقة من حافة الإنهيار .
يصبح كل موقف محسوب، وكل قرار له ثمن …
و لكننا نفاجأ في خضم هذا المشهد المعقد ، بتصاعد الأصوات ، وكثرت الاتهامات، وطرح نفس السؤال بصيغ مختلفة، لكن مضمونه واحد …
لماذا لا تتحرك مصر ؟ لماذا لا تتدخل ؟ ولماذا لا تستخدم قوتها العسكرية في معركة لا ناقة لها فيها و لا جمل ؟
و السؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس …
لماذا لا تحارب مصر؟
بل …
من المستفيد من أن تحارب ؟
ومن الذي سيدفع الثمن الحقيقي إن اشتعلت المنطقة بالكامل ؟
أم أن الهدف الأساسى و الغير معلن هو …
“هدم وتدمير مصر ”
لذلك بيتم الهجوم على مصر و الشعب المصرى …
فنجد البعض يطالب مصر صراحةً بحماية قواعد عسكرية أجنبية على أرضه ، أو بالدخول في مواجهة مفتوحة مع إيران ، مما يؤدي إلى المساهمة في حماية إسرائيل بشكل غير مباشر …
وهنا، لا بد أن نتوقف…
ليس فقط لنرفض، بل لنفهم حجم المفارقة .
هل تحولت الجيوش الوطنية إلى أدوات تُستخدم وفق طلب الآخرين ؟
وهل يُعقل أن تُدفع دولة بحجم مصر، بتاريخها، وثقلها، وموقعها، إلى حرب إقليمية معقدة، فقط لأن هناك من يرى أنها “قادرة” على ذلك ؟
مصر لم تكن يوما دولة تُحارب بالأوامر …
لم تكن جيشا مرتزقا، ولا قوة تُستخدم بالوكالة …
بل كانت، عبر تاريخها الطويل، دولة تقاتل حين يكون القتال دفاعا عن حق ، أو عن أرض …
وإن عدنا إلى التاريخ، سنجد أن مصر لم تتخل يوما عن منطقتها، بل كانت دائما درعها حين تنهار الموازين .
فكانت مصر هي النقطة التي يتوقف عندها اى تمدد أو عدوان …
لكن هذا الدور، رغم عظمته، لم يكن دعوة مفتوحة لاستنزاف دائم .
لم يكن تفويضا أبديا بأن تدفع مصر ثمن كل صراع ، أو أن تكون هي الجبهة الأولى في كل معركة، بينما يختار الآخرون مواقع المتفرجين .
اليوم …
المشهد مختلف… والتحديات مختلفة… وحتى طبيعة الحروب نفسها تغيرت .
لم تعد الحروب مجرد جيوش تتحرك على الأرض ، بل أصبحت شبكات مصالح ، واقتصاديات ، وتحالفات معقدة ، وتوازنات دقيقة قد تنفجر في أي لحظة …
ودول الخليج نفسها، التي تتأثر بشكل مباشر بتداعيات هذا التوتر ، تدرك ذلك جيدا، ولهذا تتبنى نهج ضبط النفس، وعدم الانخراط المباشر في المواجهة .
فكيف يُطلب من مصر أن تفعل عكس ما يفعلون ؟
كيف يُطلب منها أن تدخل في صراع واسع، بينما الأطراف الأقرب تحاول تجنبه ؟
الأمر هنا لا يتعلق بالقدرة، بل بالحكمة .
ولا يتعلق بالقوة، بل بتوقيت استخدامها .
مصر دولة شريفة في مفهومها للحرب .
لا تُحارب لتدمر ، ولا تدخل معارك لإرضاء أطراف أخرى ، ولا تُستخدم كأداة في صراعات لا تخدم أمنها القومي أو استقرار منطقتها …
هي دولة تحمي … تبني … وتسعى، بقدر ما تستطيع، إلى الحفاظ على التوازن و السلم و الأمان لكل دول المنطقة …
ومن هنا …
يصبح القرار ليس فقط سياديا، بل مسؤولية تاريخية …
وأن الشجاعة لا تكون دائما في إطلاق النار، بل في منعه …



