د. رائد ناجي يكتب: عالم يتشكل على حافة اللايقين

العالم اليوم بنية قلقة، تتآكل توازناته التقليدية، وتتشكل معادلاته على وقع التحولات المتسارعة.
هذه القطبية الجديدة ليست استقرارا بقدر ما هي اضطراب مقنن، يعكس صراعا عميقا بين قوى كبرى لم تحسم بعد قواعد الاشتباك ولا حدود النفوذ.
وتبدو الساحة الدولية، في هذا السياق، كلوحة مفتوحة على احتمالات متعددة، تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، والعسكر بالثقافة، ضمن مشهد معقد لا يخضع لمنطق واحد. وتتجلى ملامح هذا الاضطراب في تعدد مراكز القرار، وتضارب المصالح الاستراتيجية، وغياب مرجعية دولية قادرة على ضبط الإيقاع. لقد انتهى زمن القطبية الاحادية التي ادعت القدرة على فرض نموذجها، كما لم تتبلور بعد قطبية ثنائية مستقرة كما كان الحال في حقب سابقة. نحن امام وضع هجين، تتنازع فيه قوى صاعدة وقوى متراجعة، في سباق محموم لاعادة تعريف النفوذ.
القطبية المضطربة ليست مجرد توصيف سياسي، بل هي انعكاس لتحولات بنيوية في طبيعة القوة ذاتها. فالقوة لم تعد عسكرية صرفة، بل اصبحت مركبة؛ تتداخل فيها التكنولوجيا، والاقتصاد الرقمي، والتحكم في سلاسل الامداد، والسيطرة على المعرفة. ومن هنا، فإن الصراع لم يعد يدور فقط حول الجغرافيا، بل حول من يملك المستقبل، ومن يحدد قواعد اللعبة في عالم سريع التغير. ويفرض هذا التحول تحديات عميقة على الدول، خصوصا تلك التي لم تحسم خياراتها الاستراتيجية.
اذ لم يعد ممكنا الوقوف في منطقة رمادية، او الاعتماد على تحالفات تقليدية لم تعد صالحة بذات المعايير. ان العالم يتجه نحو اعادة توزيع الادوار، حيث يصبح لكل دولة موقعها وفق قدرتها على التكيف، لا وفق تاريخها او حجمها فقط. وفي هذا السياق، تبرز مفارقة لافتة: فبينما تتصاعد دعوات التعددية الدولية، يتزايد في المقابل النزوع نحو الانغلاق، والحماية، واعادة تعريف السيادة. هذه الازدواجية تعكس عمق الازمة؛ اذ لا توجد رؤية جامعة لكيفية ادارة العالم، بل توجد رؤى متنافسة، لكل منها منطقه الخاص ومصالحه المتباينة. الاقتصاد بدوره لم يعد بمنأى عن هذا الاضطراب؛ بل اصبح ساحة مركزية للصراع. الحروب التجارية، والعقوبات الاقتصادية، واعادة تشكيل التحالفات المالية، كلها مؤشرات على ان الاقتصاد تحول الى اداة ضغط، بل الى سلاح استراتيجي. ومن هنا، فإن مفهوم العولمة ذاته يتعرض لاعادة تعريف، حيث لم يعد يعني الانفتاح المطلق، بل الانخراط المشروط، وفق حسابات دقيقة.
اما التكنولوجيا، فهي العامل الحاسم في رسم معالم القطبية الجديدة. الذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، والامن السيبراني، كلها مجالات تحدد من يمتلك زمام المبادرة. ولم يعد التفوق يقاس بعدد الجيوش فقط، بل بقدرة الدولة على التحكم في الفضاء الرقمي، وحماية بنيتها التحتية من الاختراق، وتوظيف المعرفة لخدمة اهدافها الاستراتيجية. وعلى المستوى الجيوسياسي، تتسع رقعة التوتر، من شرق اوروبا الى بحر الصين، ومن الشرق الاوسط الى افريقيا.
هذه المساحات لم تعد مجرد مناطق نفوذ، بل تحولت الى نقاط احتكاك، قد تنفجر في اي لحظة، في ظل غياب توازن رادع واضح. وهنا، يكمن خطر القطبية المضطربة: انها لا تمنع الصراع، بل تؤجله، وتجعله اكثر تعقيدا حين ينفجر. وفي ظل هذا المشهد، تبرز الحاجة الى مقاربات جديدة في التفكير السياسي. لم يعد كافيا تحليل الواقع بادوات قديمة، او قراءة العالم بمنطق الحرب الباردة.
نحن امام زمن مختلف، يتطلب فهما عميقا لتشابك المصالح، وقدرة على استشراف التحولات، لا مجرد التفاعل معها. ان الدول التي ستنجح في هذا السياق، هي تلك التي تدرك طبيعة اللحظة، وتبني استراتيجيات مرنة، قادرة على التكيف مع المتغيرات. فالثبات في عالم متحرك، قد يكون اخطر من المغامرة، والتردد قد يكلف اكثر من الحسم. ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي ليس على القوة وحدها، بل على حسن توظيفها، ضمن رؤية شاملة.
وفي الختام، تبقى القطبية المضطربة مرحلة انتقالية، لم تتحدد نهاياتها بعد. انها لحظة سيولة تاريخية، تعيد تشكيل العالم، وتفرض على الجميع اعادة التفكير في مواقعهم وادوارهم. وبين الخطر والفرصة، تتحدد ملامح المستقبل؛ فمن احسن قراءة التحولات، امتلك القدرة على التأثير، ومن تأخر، وجد نفسه على هامش التاريخ.



