عاطف طلب يكتب: مصر توسّع حوافز الصناعة… دفعة جديدة لتعميق التصنيع وجذب الاستثمارات
في توقيت اقتصادي بالغ الحساسية، تمضي الدولة المصرية بخطوات متسارعة نحو إعادة صياغة خريطة الاستثمار الصناعي، عبر قرار مجلس الوزراء الأخير بتوسيع قاعدة الأنشطة الصناعية المستفيدة من حوافز الاستثمار لمدة سبع سنوات. القرار يحمل في طياته دلالات تتجاوز الأرقام، ليعكس توجهًا استراتيجيًا واضحًا نحو تعميق التصنيع المحلي وتعزيز التنمية الإقليمية المتوازنة.
اللافت في القرار أنه لم يكتفِ بزيادة الحوافز، بل أعاد هندسة منظومتها، عبر ربطها بالنطاقات الجغرافية، في خطوة تعكس فهمًا متقدمًا لاختلالات توزيع الاستثمارات تاريخيًا، وسعيًا عمليًا لتوجيه رؤوس الأموال نحو المناطق الأكثر احتياجًا.
فلسفة جديدة للحوافز
بموجب القرار، تحصل مشروعات القطاع الجغرافي “أ” على خصم ضريبي يصل إلى 50% من التكاليف الاستثمارية، مقابل 30% للقطاع “ب”، وبحد أقصى 80% من رأس المال المدفوع، على أن يتم الخصم خلال سبع سنوات. هذه النسب تعني عمليًا تخفيضًا ملموسًا في تكلفة الاستثمار، خصوصًا في الصناعات كثيفة رأس المال.
القطاع “أ” — الذي يضم الصعيد والمناطق الأكثر احتياجًا والعاصمة الإدارية والمنطقة الاقتصادية — يحصل على الحافز الأكبر، وهو ما يعكس توجه الدولة نحو تحقيق تنمية مكانية أكثر عدالة، بدلًا من تركز الصناعة في نطاقات محدودة.
الصناعات المستهدفة… اختيار محسوب
إضافة أنشطة مثل صناعة السيارات والمركبات، والمحركات الكهربائية، ومكونات التبريد، وألواح الصاج للأجهزة الكهربائية، والمواسير، ومركزات الأغذية، وحامض الكبريتيك، لم تأتِ مصادفة. بل تعكس تركيزًا على الصناعات المغذية وسلاسل الإمداد، وهي الحلقة التي طالما عانى منها القطاع الصناعي المصري.
وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، محمد فريد، أوضح أن القرار يستجيب لأولويات الدولة الصناعية واحتياجات المستثمرين، ويستهدف زيادة القيمة المضافة وتعزيز التصنيع المحلي. وهذه نقطة جوهرية، لأن التحدي الحقيقي لم يعد في جذب مصانع التجميع، بل في توطين المكونات والصناعات الوسيطة.
تأثيرات متوقعة على السوق
من الناحية الاقتصادية، من المرجح أن تسهم الخصومات الضريبية الجديدة في تحسين التدفقات النقدية للمصانع، وتخفيف ضغط التكاليف، خاصة مع استمرار ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج عالميًا. كما أن وضوح الحوافز لمدة سبع سنوات يمنح المستثمرين درجة أعلى من اليقين عند اتخاذ قرارات التوسع.
آراء مجتمع الأعمال جاءت داعمة، حيث يرى مسؤولو الغرف الصناعية أن الحوافز ستشجع على إضافة خطوط إنتاج جديدة ورفع الطاقة التشغيلية، وهو ما قد ينعكس إيجابًا على معدلات التشغيل والصادرات الصناعية.
ما وراء القرار
قراءة أعمق تكشف أن الحكومة تتحرك وفق معادلة ثلاثية:
تعميق المكون المحلي
توطين الصناعات الاستراتيجية وعلى رأسها السيارات
تحقيق تنمية إقليمية متوازنة
لكن نجاح هذه المنظومة سيظل مرهونًا بعدة عوامل حاسمة، أبرزها سرعة تفعيل الحوافز على أرض الواقع، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتوفير التمويل الصناعي بتكلفة مناسبة، إلى جانب استقرار السياسات الضريبية والجمركية.
الخلاصة
القرار يمثل خطوة إيجابية ومدروسة في اتجاه دعم الصناعة الوطنية، ويعكس تحولًا من منطق الحوافز العامة إلى الحوافز الموجهة ذكية التصميم. وإذا ما تم تنفيذه بالكفاءة المطلوبة، فقد نشهد خلال السنوات المقبلة توسعًا حقيقيًا في القاعدة الصناعية، خاصة في المناطق التي ظلت خارج خريطة الاستثمار لفترات طويلة.
ويبقى الرهان الأكبر: تحويل الحوافز من نصوص تنظيمية على الورق إلى مصانع تعمل، وفرص عمل تُخلق، وقيمة مضافة تُبنى… وهو التحدي الذي سيحدد مدى نجاح هذه الخطوة الطموحة.



