نعمه الشامي تكتب: وثيقة ملكية الدولة شراكة استراتيجية أم عودة لملف الخصخصة؟

محاسب قانوني ومحلل مالي

في ظل التحولات الاقتصادية العالمية المتسارعة أعلنت رئاسة مجلس الوزراء المصري عن تحديث “وثيقة سياسة ملكية الدولة” في مارس 2026 وذلك بعد مرور ثلاث سنوات على إطلاقها لأول مرة في يونيو 2022 ويأتي التحديث ليؤكد أن الوثيقة باتت إطارًا ديناميكيًا يتفاعل مع المتغيرات الاقتصادية وليس نصًا جامدًا ثابتًا

خلفية الإطلاق والتطور
تم إطلاق الوثيقة رسميًا في 13 يونيو 2022 بتوجيهات من عبد الفتاح السيسي وبإشراف رئيس الوزراء مصطفى مدبولي بهدف إعادة تنظيم تواجد الدولة في النشاط الاقتصادي وزيادة مساهمة القطاع الخاص لتصل إلى 65% خلال ثلاث سنوات
ومع نهاية عام 2022 خضعت الوثيقة لأول تحديث قبل أن تعلن الحكومة عن النسخة الأحدث المرتقبة في مارس 2026 استجابة للتغيرات التي شهدها الاقتصاد العالمي خلال الفترة من 2022 إلى 2025

أبرز ملامح تحديث 2026
وفقًا لما أعلنته الحكومة ترتكز النسخة المحدثة على عدة محاور رئيسية
التحول من البيع إلى الشراكة التركيز على استثمار أصول الدولة عبر شراكات استراتيجية مع القطاع الخاص بدلاً من البيع المباشر

تنظيم دور الدولة الفصل بين دور الدولة كمالك للأصول ودورها كمنظم للنشاط الاقتصادي
تقييد التوسع الحكومي الحد من تأسيس شركات جديدة مملوكة للدولة في قطاعات يمكن للقطاع الخاص إدارتها
برنامج الطروحات توجيه الطروحات نحو تعظيم العائد من الأصول
إطلاق منصة إلكترونية
لمتابعة تنفيذ السياسة وتعزيز الشفافية ومشاركة المستثمرين
وتستند هذه التوجهات إلى دراسات وتقارير صادرة عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار إضافة إلى توصيات اللجنة العليا المعنية بمتابعة تنفيذ الوثيقة
بين وثيقة الملكية وذاكرة الخصخصة
منذ الإعلان الأول للوثيقة عام 2022 طرح سؤال جوهري

هل نحن أمام إعادة تنظيم لملكية الدولة أم نسخة جديدة من برنامج الخصخصة الذي شهدته مصر عام 1991
برنامج الخصخصة في تسعينيات القرن الماضي استهدف التخلي عن إدارة عدد من شركات القطاع العام لصالح القطاع الخاص إلا أنه واجه انتقادات واسعة سواء بسبب بعض قضايا الفساد المرتبطة بعمليات البيع أو بسبب التداعيات الاجتماعية التي مست العمالة

اليوم تؤكد الحكومة أن فلسفة الوثيقة مختلفة فهي لا تقوم على “التخارج الكامل” بقدر ما تعتمد على “إعادة هيكلة الأدوار” وفتح المجال أمام الشراكات الاستثمارية غير أن التساؤل لا يزال حاضرًا في الأوساط الاقتصادية
هل يضمن نموذج الشراكة الحفاظ على التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والبعد الاجتماعي؟

العماله البعد الإنساني للملف
يبقى ملف العمالة هو الأكثر حساسية في أي حديث عن تخارج الدولة من بعض الأنشطة
فالعامل الذي أفنى سنوات عمره داخل منشأة مملوكة للدولة لا ينظر إلى المسألة من زاوية العائد على الأصول أو كفاءة التشغيل بل من زاوية الأمان الوظيفي والاستقرار الأسري
فالتحول الاقتصادي لا يُقاس فقط بمعدلات النمو والاستثمار بل بمدى قدرته على تحقيق توازن بين الإصلاح المالي والحماية الاجتماعية يجب تأهيل العماله ( علمياً وعمليا ونفسياً) لمواجهة التغييرات
بعد تحديث 2026 تؤكد الحكومة أن الوثيقة ليست خصخصة بالمعنى التقليدي بل إطار لإدارة أصول الدولة بكفاءة وتعظيم العائد منها عبر الشراكة

ومع ذلك يبقى السؤال مطروحًا في المجال العام
هل ستنجح الدولة في تقديم نموذج مختلف يحقق الكفاءة الاقتصادية دون أن يكرر إشكاليات الماضي؟
وهل ستكون الشراكة بالفعل بديلاً متوازنًا عن البيع أم أن التطبيق العملي هو الفيصل الحقيقي؟
الإجابة لن تحسمها النصوص وحدها بل آليات التنفيذ ودرجة الشفافية والأهم موقع العامل المصري في معادلة الإصلاح

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى