روچينا فتح الله تكتب: 150 عامًا من حماية الحق.. هيئة قضايا الدولة تاريخٌ من الكفاح القانوني
كاتبة صحفية
في لحظة فارقة من تاريخ العدالة المصرية، تحتفل هيئة قضايا الدولة بمرور مائة وخمسين عامًا على إنشائها، لتؤكد من جديد أنها ليست مجرد مؤسسة قضائية، بل ركيزة أصيلة من ركائز الدولة الحديثة، وحصن منيع للدفاع عن المال العام وسيادة القانون.
على مدار قرن ونصف، لعبت هيئة قضايا الدولة دورًا محوريًا في تمثيل الدولة أمام جهات القضاء المختلفة، داخليًا وخارجيًا، فكانت دائمًا في الصفوف الأولى، تدافع بالحجة والقانون عن مصالح الوطن، وتواجه التحديات القانونية التي لم تخلُ منها أي مرحلة من مراحل تطور الدولة المصرية.
وإذا كانت السنوات الطويلة معيارًا للعراقة، فإن الإنجازات هي المقياس الحقيقي للقيمة. فقد استطاعت الهيئة عبر تاريخها الممتد أن تواكب التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها مصر، دون أن تحيد عن رسالتها الأساسية: إعلاء شأن القانون، وترسيخ مبدأ المشروعية، وصون حقوق الدولة ومؤسساتها.
إن الاحتفال بمرور 150 عامًا على إنشاء هيئة قضايا الدولة ليس مجرد مناسبة بروتوكولية، بل هو وقفة تأمل في مسيرة مؤسسة قضائية عريقة، نجحت في الجمع بين الأصالة والتحديث، وبين الالتزام بالتقاليد القضائية الراسخة والانفتاح على آليات التطوير والتدريب والتخصص، بما يتناسب مع طبيعة القضايا المتزايدة تعقيدًا في عالم سريع التغير.
وقد برهنت الهيئة، عبر أجيال متعاقبة من أعضائها، على أن الدفاع عن الدولة لا يعني فقط الانتصار في القضايا، بل يعني كذلك تقديم الرأي القانوني الرشيد، والمساهمة في تقويم المسار الإداري، والوقاية من النزاعات قبل وقوعها، وهو دور لا يقل أهمية عن التقاضي ذاته.
ولا يمكن الحديث عن هيئة قضايا الدولة دون الإشادة بعنصرها البشري، الذي ظل على مدار العقود مثالًا للنزاهة والكفاءة والانضباط، رجال ونساء حملوا على عاتقهم مسؤولية ثقيلة، وأدّوها بإخلاص وتجرد، واضعين مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
وتأتي هذه الاحتفالية في توقيت بالغ الدلالة، حيث تشهد الدولة المصرية جهودًا واسعة لبناء دولة القانون والمؤسسات، وهو ما يجعل من هيئة قضايا الدولة شريكًا أساسيًا في مسيرة التنمية والاستقرار، وسندًا قانونيًا لا غنى عنه في حماية مقدرات الدولة ودعم قراراتها المشروعة.
إن مرور 150 عامًا على إنشاء هيئة قضايا الدولة هو شهادة تاريخية على صلابة هذه المؤسسة، وقدرتها على الاستمرار والتجدد، وهو أيضًا رسالة ثقة في مستقبلها، ودعوة لمواصلة العطاء بنفس الروح والمسؤولية، حتى تظل دائمًا درع الدولة القانوني، وصوت الحق في ساحات القضاء.



