محمد مطر يكتب: رمضان… محراب العائلة الاجتماعي
رمضان… محراب العائلة الاجتماعي في زحام الحياة التي نعيشها، حيث يركض كل منا في مضماره الخاص وتسرقنا الشاشات من بعضنا البعض، يأتي شهر رمضان كهدنة روحية تعيد ترتيب فوضى مشاعرنا المبعثرة، ولعل أبهى ما في هذا الشهر ليس مجرد الامتناع عن الطعام، بل ذلك السحر الكامن في فكرة “الوقت الواحد” الذي يجمع الشتات. فقبل الغروب بدقائق، يسود العالم نوع من السكون المهيب، وتتوقف حركة الشوارع الصاخبة لتفسح المجال لصمت الميادين، حيث يتحلق الجميع حول الموائد في انتظار نداء واحد يترقبه الصغير والكبير، والغني والفقير، في مشهد يجسد أسمى معاني المساواة والوحدة الوجدانية التي تفتقدها أيامنا العادية.
تتحول المائدة الرمضانية في هذه اللحظات من مجرد مكان لتناول الطعام إلى محراب اجتماعي مقدس، يذيب جليد العزلة التي فرضتها علينا الحداثة. ففي رمضان، يتوقف الجميع عن تناول وجباتهم المنفردة على عجل، ليعودوا إلى حضن “اللمة” الدافئة، حيث تجتمع الأيدي على طبق واحد وتتشابك القلوب قبل الأنفاس. إن البركة التي نشعر بها في طعام رمضان لا تأتي من أصنافه وتنوعه، بل من ذلك التناغم الروحي الذي يحدث حين يكسر الملايين صيامهم على تمرة واحدة في اللحظة ذاتها التي يرتفع فيها صوت “الله أكبر”، وكأن هذا النداء هو المايسترو الذي يضبط إيقاع الكون ويمنحنا شعوراً عميقاً بأننا لسنا وحدنا في هذا العالم، بل نحن جزء من كيان واحد ينبض باليقين.
إن الروحانية الحقيقية في هذا الشهر تتجلى في تفاصيل بسيطة لكنها غارقة في العمق، مثل دعابة عابرة بين صديقين على مائدة الإفطار، أو دعاء صامت يرفعه رب أسرة وسط ضجيج أبنائه، أو حتى تلك الطمأنينة التي تسكن النفس حين نعلم أن أحبتنا يجلسون الآن تحت “أذان واحد” يشاركنا الجوع والعطش ثم الفرحة والارتواء. رمضان يعلمنا أن الإنسان لا يشبع بالخبز وحده، بل يقتات على القرب والمودة وصلة الرحم التي تفتح أبواب السماء. إنه مدرسة تعيدنا إلى فطرتنا الأولى، حيث لا معنى للوقت إن لم نقضه مع من نحب، ولا قيمة للزاد إن لم نتقاسمه بقلوب صافية تحت ظلال ذلك النداء السماوي الذي يجمعنا كل ليلة ليخبرنا أننا، رغم كل شيء، ما زلنا بخير ما دمنا مجتمعين.وإلى لقاء إن قدر الله لنا البقاء…



