مني النمر تكتب: على الفطره … الستر …
رمضان ليس شهر امتناع عن الطعام والشراب فقط ، وليس سباق في عدد الركعات ولا في صور الموائد الممتلئة .
بل هو محطة نراجع فيها أنفسنا، ونستعيد المعاني التي اختفت من حياتنا …
ومن الأخلاق التي نحتاج أن نحييها في هذا الشهر الفضيل … الستر …
قال رسول الله ﷺ:
«من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة».
حديث بسيط في ألفاظه ، عظيم في معناه …
فالستر ليس تجاهلا للخطأ ، لكنه موقف أخلاقي نابع من قلب يخشى الله …
نحن جميعا نخطئ .
تزل أقدامنا ، و تسبقنا كلماتنا أحيانا ، و نندم على أفعال لم نحسب لها حسابا .
و لكن …
تخيل لو أن كل خطأ نرتكبه يكشف أمام الناس ، ولو أن كل زلة تتحول إلى حديث يتداول بين العامة …
كيف ستكون حياتنا ؟ وكم مرة سنشعر بالخجل أو الانكسار ؟
إن من رحمة الله بنا أنه ستير ، يستر عيوبنا و يمهلنا و يمنحنا فرصة بعد فرصة .
فإذا كنا نرجو من الله أن يسترنا ، أفلا يليق بنا أن نستر بعضنا بعضا ؟
لكننا نعيش زمنا الآن مختلفا .
زمن صارت فيه الخصوصية مستباحة ، والخبر ينتشر في لحظات قبل أن نتأكد من صحته .
على منصات التواصل الاجتماعي ، قد تتحول زلة إنسان إلى مادة للتداول او للسخرية او للشماته ، أو إلى اشياء كثيرة ليس من بينها الرأفة أو ستر عورات الناس …
تتناقل الصور والمقاطع ، وتعاد نشرها مئات المرات ، و يتسابق البعض في التعليق والسخرية والتحليل ، وكأن الأمر لا يتعلق بسمعة إنسان وحياة كاملة قد تتأثر .
أحيانا لا تكون القصة كاملة أو حتى حقيقية .
وأحيانا تكون مجرد إشاعة لا أصل لها …
لكن الضرر و القتل قد وقع ، و تشوهت سمعة إنسان ، في حين لم يمنح له فرصة ليدافع عن نفسه …
ننسى في لحظة اندفاع أن وراء الشاشة إنسان له أهل ، و له أبناء ، وله حياة قد تتدمر …
قد نخوض نحن في القصة دقائق أو ساعات أو عدة أيام ، لكن أثرها يبقى في حياته سنوات …
الستر في زمن السوشيال ميديا لم يعد أمرا بسيطا ، بل أصبح مسؤولية .
فليس كل ما يصلنا ينبغي أن نعيد إرساله ، وليس كل خبر يقال يستحق أن يصدق أو يذاع .
الستر لا يعني تبرير الخطأ ، ولا السكوت عن ظلم ، لكنه ينبغي أن يكون هدفه الإصلاح لا الفضيحة ، وأن نحفظ للناس ماء وجوههم ، وأن نتذكر أننا لسنا قضاة على مصائر البشر …
ورمضان يذكرنا بهذا المعنى بقوة .
فحين نخلو بأنفسنا في الصلاة ، ندرك أن بيننا وبين الله أسرارا لا يعلمها أحد .
حين نستغفر في جوف الليل ، نشعر بقيمة أن يعطى الإنسان فرصة دون أن يفضح …
حين نصوم ، نتعلم أن العلاقة الحقيقية ليست التي أمام الناس فقط ، بل التي مع الله الذي يعلم السر وأخفى …
فكيف نصوم عن الطعام ، ولا نصوم عن كشف عيوب الناس ؟
وكيف نطلب من الله أن يستر تقصيرنا ، ونحن نشارك في نشر تقصير غيرنا ؟
الستر يبدأ من قرار صغير لكنه فارق …
أن نتوقف قبل إعادة نشر أى خبر …
أن نتحقق قبل تصديق أى رواية …
أن نمتنع عن تعليق جارح او ساخر ، حتى لو كان الجميع يكتب …
أن نختار الكلمة التي تحفظ و تستر ، لا التي تفضح …
وأحيانا يكون الستر أن نصمت …
فليس كل ما يُعرف يُقال ، وليس كل ما يُقال ينبغي أن ينشر …
إذا خرجنا من رمضان بحرص صادق على كرامة الآخرين و ستر أسرارهم ، فقد اقتربنا من خُلق يحبه الله …
فالناس لا يحتاجون من يكشف عيوبهم بقدر ما يحتاجون من يعينهم على إصلاحها .
فهل نحب أن يسترنا الله ؟
إذن فلنكن سببا في ستر غيرنا …



