مني النمر تكتب: مصر … الفرصة الكبرى ” منتدى دافوس”

في ظل عالم يتغير بسرعة هائلة ، لم تعد الدول تُقاس فقط بما تملكه من ثروات طبيعية أو أرقام اقتصادية ، بل بما تمتلكه من قدرة على التكيف ، وحسن قراءة اللحظة ، واستثمار التحولات الكبرى لصالحها .

النمر
نحن نعيش اليوم مرحلة إعادة تشكيل للخريطة الاقتصادية العالمية ، حيث تبحث رؤوس الأموال عن أماكن آمنة ، وتبحث الدول عن شركاء جدد ، وتُعاد صياغة مفاهيم النفوذ والاستثمار والفرص …
وفي قلب هذا المشهد ، تبرز مصر كواحدة من أكبر الرهانات الاستراتيجية في الشرق الأوسط وإفريقيا ، بوصفها كفرصة كبرى بحد ذاتها …

العالم من حولنا لم يعد كما كان .
أوروبا تعاني أزمات طاقة وتضخم واضطراب في سلاسل الإمداد ، وروسيا تواجه عزلة اقتصادية واسعة ، تضخم و ارتفاع عجز شديد في الموازنة الأمريكية ، تغيرات هنا و حروب هناك .
وفي ظل هذه التحولات ، أصبح رأس المال أكثر حذر ، يبحث دائما عن البيئة الأكثر أمانا واستقرارا ، لأن القاعدة الأولى في عالم الاستثمار تقول “إن رأس المال جبان” ، لا يذهب إلا حيث يشعر بالطمأنينة …
ومن هنا ، تتقدم مصر خطوة إلى الأمام ، لا لأنها فقط تمتلك سوقا كبيرا أو موقعا جغرافيا مميزا، بل لأنها خلال سنوات قليلة أعادت بناء صورتها الاقتصادية من الأساس .

ما جرى في مصر لم يكن صدفة ، ولم يكن تحركا عشوائيا ، بل وفق خطة مدروسة جيدا ، و وفق مشروعا متكاملا بدأ من البنية التحتية . طرق جديدة ، محاور تربط شرق البلاد بغربها وشمالها بجنوبها ، شبكة مواصلات حديثة ، موانئ بحرية جرى تطويرها وتوسيعها ، ومناطق لوجستية أصبحت جسورا بين قارات …
كل ذلك لم يكن ترفا ، بل كان حتميا و شرطا أساسيا لدخول مصر إلى مصاف الدول الجاذبة للاستثمار العالمي …
مصر اليوم لا تقدم نفسها كمجرد سوق استهلاكي ضخم ، بل كمنصة إنتاج وتصدير ، وكبوابة ذكية إلى إفريقيا والشرق الأوسط …

فمن يريد الدخول إلى القارة الإفريقية ،
عند مصر مفتاحها …
ليس فقط بالموقع ، بل بعلاقات سياسية واقتصادية نسجتها القاهرة بذكاء واحترام و شرف داخل القارة ، جعلت منها نقطة ارتكاز لأي مشروع إقليمي واسع …
منتدى دافوس لم يكن مجرد لقاء بروتوكوليا ، بل رسالة واضحة بأن مصر لم تعد على هامش المشهد الاقتصادي العالمي ، بل أصبحت في قلبه …

فلم يكن حديث القيادة المصرية هناك عن أرقام جافة ، بل عن رؤية متكاملة لدولة تعرف ماذا تريد ، وتعرف كيف تتحرك في عالم شديد التعقيد …

الرسالة كانت بسيطة في ظاهرها ، لكنها عميقة في مضمونها … مصر ليست فقط بلدا يبحث عن استثمار ، بل شريك يمكن الاعتماد عليه في صناعة المستقبل …
القوة هنا تعني القدرة على خلق توازن ذكي بين الداخل والخارج ، بين التنمية والاستقرار ، بين السياسة والاقتصاد . وما يميز التجربة المصرية في هذه المرحلة هو أنها لم تفصل بين جميع هذه المسارات ، بل رأت أن الاقتصاد لا يزدهر بلا سياسة متزنة ، وأن السياسة لا تصمد بلا قاعدة اقتصادية قوية .

ومع كل هذه المعطيات الاقتصادية والاستثمارية ، تكتمل الصورة عندما ننظر إلى البعد السياسي الذي يعزز هذه المكانة .
فقد جاء لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب على هامش منتدى دافوس ليضيف بعدا مهما لهذا المشهد …
ففي مؤتمر صحفي واضح وصريح ، قال ترامب بالنص إن «مصر دولة قوية، والرئيس السيسي رئيس قوي» …
عبارة تحمل في طياتها أكثر من مجرد مجاملة دبلوماسية ، بل اعتراف بمكانة الدولة المصرية وثقل قيادتها في نظر أكبر قوة في العالم .

اللقاء عكس حالة من التفاهم ، وتقديرا للدور المصري في دعم الاستقرار الإقليمي والسعي لإحلال السلام ، إلى جانب الإشارة إلى ملفات إقليمية شائكة في إطار تعاون أوسع …
هذه الكلمات ، حين تأتي من قلب دوائر القرار العالمي ، تصبح جزءا من صورة أكبر تؤكد أن قوة مصر اليوم ليست فقط في طرقها وموانئها ومشروعاتها ، بل في حضورها ، وفي قدرتها على أن تكون لاعبا يُحسب له حساب ، وشريكا يُنظر إليه باحترام …
وهنا تكتمل المعادلة: اقتصاد يتقدم ، بنية تحتية تتطور ، سياسة متزنة ، ومكانة دولية تتعزز .
لهذا كله …

لا يمكن النظر إلى مصر اليوم كدولة عادية في خريطة العالم المتغير ، بل كفرصة كبرى لمن يريد أن يستثمر في المستقبل .
فرصة لدولة تعيد صياغة نفسها بهدوء ، وتعرف أن الطريق طويل ، لكنها تمشيه بثبات ، خطوة وراء خطوة ، حتى تصل إلى مكانها الذي تستحقه بين الكبار .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى