شريف الريس يكتب: حين يرتدي السارق قناع السيادة

في الماضي البعيد، كانت الأخلاق ترسم حدوداً واضحة للصراع بين الحق والباطل؛ كان “اللص” يدرك جرمه فيختبئ خجلاً أو خوفاً من “الشريف”، وكانت المعركة تدور في العلن بين نقيضين لا يجتمعان. أما اليوم، فقد شهد العالم تحولاً دراماتيكياً في بنية الصراع الإنساني والسياسي، حيث لم يعد السارق يكتفي بالتسلل ليلاً لسرقة المتاع، بل أصبح يجلس خلف أرائك الحكم، يرتدي بذلات أنيقة، ويطمع في قارات ودول كاملة بوضوحٍ فجّ لا يداري قبحه.

من سرقة المتاع إلى قرصنة الدول

لقد تبدلت موازين القوى وصور الرمزية؛ فبعد أن كان الاستيلاء على مقدرات الشعوب يتم عبر جيوش غازية في الخفاء أو بحجج “نشر الحضارة”، صرنا نعيش في عصر “البلطجة الدبلوماسية”. ولعل المثال الأبرز على هذا التحول هو تطلع الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب نحو جزيرة “جرينلاند”. لم يكن هذا المطلب مجرد رغبة اقتصادية، بل كان تجسيداً لذهنية “التاجر السارق” الذي يرى السيادة الوطنية للدول مجرد عقارات معروضة للبيع والشراء. إن الطمع في خيرات بلد كامل تحت مسميات “الصفقات” هو التطور الطبيعي للص القديم، لكنه لص يمتلك القوة والنفوذ، ولا يخشى القانون لأنه هو من يصوغه.

المفارقة المؤلمة: تشافيز والراعي

في المقابل، يظل التاريخ يحفظ قصص المناضلين الذين دفعوا أثماناً باهظة لتمسكهم بمبادئهم. وهنا تبرز مفارقة مؤلمة تتعلق بالمناضلين الذين يواجهون تغول القوى الكبرى. وبالنظر إلى سيرة القادة الثوريين، نجد أن السقوط غالباً ما يأتي من “الداخل” وليس من قوة العدو الخارجية فحسب.

ولنا عبرة في قصة “تشي جيفارا” الذي وشى به راعٍ بسيط في أدغال بوليفيا، أو صمود “هوجو تشافيز” أمام الانقلابات المدعومة خارجياً. في كلتا الحالتين، تبرز الحقيقة المرة: أن القائد الذي يحارب من أجل الفقراء والمهمشين، غالباً ما يتم الغدر به من قبل الفئات التي يحاول حمايتها، إما بسبب الجهل، أو الخوف، أو الحاجة المادية التي يستغلها الخصوم.

ضياع البوصلة الأخلاقية

إننا نعيش في عصر اختلطت فيه المفاهيم؛ فالسارق الذي كان يهرب من الشرطة، أصبح اليوم هو من يأمر الشرطة، والشرعية الدولية التي أُسست لحماية الضعفاء، باتت غطاءً لقراصنة العصر الحديث. الصراع بين الحق والباطل لم يعد “واضحاً وصريحاً” كما كان في قصص الأساطير، بل أصبح مغلفاً بالبروباغندا الإعلامية والاتفاقيات الاقتصادية المجحفة.

ختاماً، إن بقاء الروح النضالية في مواجهة أطماع الدول الكبرى يتطلب وعياً جمعياً يتجاوز بساطة الراعي الذي قد يبيع وطنه مقابل فتات، ويحتاج إلى يقظة أمام اللصوص الجدد الذين لا يختبئون في الجحور، بل يظهرون على شاشات التلفاز ليعلنوا بكل وقاحة عن خططهم لنهب ثروات الأرض تحت مسمى “المصالح القومية”. إن الصراع باقٍ، لكن أدواته تغيرت، ويبقى الحق رهيناً بمدى قدرة الشعوب على التمييز بين القائد المناضل وبين التاجر الذي يرتدي قناع الدولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى