مني النمر تكتب: رحله طمأنينة …!!
لم تكن ليلة الإسراء والمعراج حدثا خارقا ، بل كانت لحظة رحمة …
جاءت في وقت بلغ فيه الألم ذروته ، و سدت فيه السبل ، واشتد الأذى ، حتى ضاقت الأرض على رسول الله ﷺ بما رحبت …
لم يكن النبى الكريم بحاجة إلى معجزة تُثبت نبوته ، فقد كان صادقا قبلها وبعدها ، لكن قلب الإنسان – مهما علا مقامه – يحتاج أحياناً إلى رسالة خاصة تقول له: لست وحدك … أنا معك …
فجاءت الإسراء والمعراج بعد عام الحزن ، بعد فقدان السند ، وبعد الانكسار في الطائف ، حيث رُمي بالحجارة ، وسُفكت قدماه الشريفتان بالدماء …
في تلك اللحظة الإنسانية ، لم يكن النبي ﷺ نبيا فقط ، بل كان إنسانا متعبا ، مكسور الخاطر ، يحمل هم الدعوة وهم البشر وهم نفسه …
وهنا تحديدا ، تدخل اللطف الإلهي …
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾
لم يقل بنبيه ، ولا برسوله ، بل بعبده …
وكأن الرسالة الأولى: أنت عبد … وأنا ربك…
وما دمت عبدي فلن أتركك …
الإسراء لم يكن انتقالا من مكان إلى مكان فقط ، بل كان انتقالا من ضيق الأرض إلى سعة السماء ، من قسوة البشر إلى رحب العناية الإلهية …
من مكة المثقلة بالأذى ، إلى بيت المقدس ، ثم إلى السماوات العُلا … وكأن الله يقول لنبيه: إن ضاقت بك الأرض ، فالسماوات مفتوحة لك …
وفي المعراج ، لم تُعرض عليه القوة ، ولا الملك ، ولا الجاه ، بل عُرض القرب …
و اتسعت الرؤية ، رأى من آيات ربه الكبرى ، لقاء الأنبياء ، و الصعود درجة بعد درجة ، حتى بلغ مقاما لم يبلغه بشر …
لم يكن ذلك تكريما لشخصه فقط ، بل تثبيتا لقلبه ، وإعادة بناء روحه التي اتعبها صعوبةالطريق …
وهنا تكمن الرسالة الإنسانية العميقة …
أن الله لا يترك عباده في لحظة الانكسار ، بل يقترب أكثر .
الإسراء والمعراج يقولان لنا اليوم ، ولكل من أثقله الهم ، وكل من ضاقت به الدنيا:
لا تيأس… فربك يرى ، ويسمع ، ويقدر ، يتدخل في الوقت الذي يراه مناسبا …
كم من إنسان اليوم يعيش «عام حزن» خاصا به ؟
فقد ، خذلان ، سخرية ، ظلم ، أبواب مغلقة ، دعاء لا يرى له أثرا سريعا …
لكن الإسراء والمعراج يقولان له بكل يقين :
لا تحكم على القصة من منتصفها …
فلم تتوقف رحلة النبي ﷺ عند الألم ، ولم يكن الحزن نهاية المشهد ، بل كان بداية العروج .
و أن هذا العروج قانون إلهي يتكرر: بعد أشد لحظات الانكسار ، تأتي أعظم لحظات القرب من الله …
حتى الصلاة – أعظم العبادات – فُرضت في تلك الليلة .
وكأن الله أراد أن يقول:
حين يثقل الحمل ، لا أرفع عنك التكليف ، بل أعطيك ما يعينك على حمله …
فالصلاة لم تكن عبئا ، بل هدية .
نعرج بها نحن أيضا ، ولو قليلا ، من متاعب الأرض إلى سكينة و رحمة السماء …
أما زيارة بيت المقدس في تلك الليلة لم تكن تفصيلا عابرا ، بل رسالة …
أن الأماكن المباركة تظل مباركة مهما طال عليها الاحتلال ، وأن الحق لا يسقط بالتقادم ، وأن الربط بين مكة والقدس رابط عقائدي ، روحي ، إنساني ، قبل أن يكون سياسياً أو جغرافيا …
الإسراء والمعراج ليست حكاية تُروى مرة في العام ، بل معنى يُستدعى كلما ضاقت النفس …
هي تذكير بأن الإهانة لا تنقص من القيمة ، وأن التأخير لا يعني الرفض .
فإن كنت اليوم مكروبا ، فاعلم أن الله الذي أسرى بعبده ليلا ، قادر أن يفتح لك بابا لم يخطر لك على بال .
فقط كن على يقين ، و امض فيما عليك ، واترك المعجزات له …
فالله لا يخذل من وثق به …
وما الإسراء والمعراج ، إلا وعدا ربانياً بأن :
بعد كل ليلٍ طويل … فجرٌ يليق بصبرك و عظمته …



