مني النمر تكتب: على الفطرة … العدل

رمضان ليس شهر امتناع عن الطعام والشراب فقط ، وليس سباق في عدد الركعات ولا في صور الموائد الممتلئة .
بل هو محطة نراجع فيها أنفسنا، ونستعيد المعاني التي اختفت من حياتنا …
ومن الأخلاق التي نحتاج أن نحييها في هذا الشهر الفضيل …

العدل …

نعيش زمنا يكثر فيه الكلام عن الحقوق ،
لكن يقل فيه الشعور بالعدل …

الكل يطلب أن ينصفه الناس ، وقليل من يسأل نفسه … هل أنا منصف ؟
ومن أعظم القيم التي أكدها القرآن الكريم قيمة العدل .

قال الله تعالى:
﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾

اذا فالعدل ليس اختيارا شخصيا ،
وليس خُلقا ثانويا ،
بل أمر إلهي تقوم به حياة الناس و تستقيم به المجتمعات …
العدل ليس في قاعات المحاكم فقط ،
ولا في القوانين والأنظمة فحسب …

العدل يبدأ من البيت …
أن تعدل بين أولادك في المعاملة والاهتمام …
أن لا تميل بقلبك دائما لطرف على حساب آخر .
أن لا تُحمل أحدهم ما لا تُحمله لغيره .

أن لا تحكم على إنسان من موقف واحد .
أن لا تنجرف خلف قصة سمعتها دون أن تتأكد .

العدل أن تؤدي ما عليك كما تطالب بما لك ، أن لا تنتظر الإتقان من غيرك وأنت مقصر …
لكن لماذا نشعر أن العدل مفقود ؟

لأن الأهواء تتدخل .
المصلحة تتغلب

و احيانا التكبر او التجبر بالمال او المنصب …
و احيانا الحب او الكره يعميان البصيرة …
ولهذا جاء التوجيه القرآني واضحا :
﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾
أي لا يدفعكم بغض أحد إلى الظلم .
فالعدل لا يتغير بتغير المشاعر …

ورمضان يعيدنا إلى هذا الميزان الدقيق .
حين نصوم ، نتساوى جميعا أمام الجوع والعطش .
الغني والفقير ، القوي والضعيف .

نقف صفا واحدا في الصلاة ، لا يميزنا عن بعض منصب ولا مال …
هذا الشعور بالمساواة يذكرنا أن التفاضل الحقيقي عند الله بالتقوى ، لا بالانتماء و الأنساب ولا بالمناصب أو المصلحة …
في رمضان نتعلم ضبط النفس .

وهذا الضبط هو أساس العدل …

فكم من إنسان ظُلم لأننا سمعنا طرفا واحدا و لم ونستمع للاخر ؟
و كم من قرار اتخذناه ونحن في لحظة انفعال ؟
العدل يحتاج هدوء ،

ويحتاج صدق مع النفس ، ويحتاج شجاعة…
شجاعة أن تعترف إنك كنت مخطئا ،
وأن تعطي غيرك حقه حتى لو كان ذلك على حساب راحتك .
العدل ليس سهلا ،

لكنه الطريق الوحيد لإشاعة الطمأنينة بين الناس …
فالظلم قد يمنحك مكسبا مؤقتا ،
لكن العدل يمنحك راحة دائمة .

ولأننا قد لا نستطيع أن نُصلح العالم كله ،
لكن نستطيع أن نكون عادلين في دوائرنا الصغيرة …
في بيوتنا ،

في صداقاتنا ،
في أعمالنا ،

وفي أحكامنا على الناس المحيطين بنا …
فلنجعل رمضان مراجعة حقيقية لموازيننا .
بأن نسأل أنفسنا قبل أن نلوم غيرنا …

هل كنا عادلين ؟

هل أعطينا كل ذي حق حقه ؟
هل تحررنا من أهوائنا حين حكمنا ؟
إذا استقام ميزان العدل في قلوبنا ،
استقامت حياتنا من حولنا .
فهل نعيد للميزان استقامته في هذا الشهر الفضيل ؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى