محمد مطر يكتب: الصبر والمواساة في رحلة الإسراء والمعراج
لم تكن رحلة الإسراء والمعراج مجرد حدث عابر في تاريخ النبوة، بل كانت لحظة فارقة تجلت فيها أسمى معاني المواساة الإلهية لقلب النبي محمد ﷺ الذي أثقلته جراح الدنيا وآلام الفقد. بدأت الحكاية من قلب المعاناة، فيما عرفه التاريخ بـ “عام الحزن”، ذلك العام الذي تجرع فيه النبي مرارة الفراق مرتين؛ برحيل عمه أبي طالب الذي كان درعه الحصين أمام قريش، ووفاة السيدة خديجة التي كانت ملاذه النفسي وسنده الوجداني. وفي تلك الظروف القاسية، خرج النبي ﷺ إلى الطائف يطلب النصرة، فقابلوه بالحجارة والسخرية حتى سالت دماؤه الشريفة، فرفع يده إلى السماء شاكياً عجز قوته وقلة حيلته، لا شاكياً قدر الله، بل طالباً لرضاه.
وفي تلك اللحظة التي بلغت فيها الشدة ذروتها، جاء النداء العلوي ليعلن أن الأرض وإن ضاقت بما رحبت، فإن أبواب السماء لا تُغلق أبداً. نزل جبريل عليه السلام بالبراق، لتبدأ رحلة الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهي رحلة لم تكن لقطع المسافات بقدر ما كانت لربط القلوب؛ حيث صلى النبي ﷺ بالأنبياء إماماً، ليعلن الله عز وجل لنبيه وللعالمين أن سيادته ومكانته تتجاوز حدود مكة والزمان، وأنه وارث الرسالات وحامل لواء الحق. كانت هذه الخطوة الأرضية بمثابة تهيئة نفسية ومسحاً على قلب المصطفى قبل الارتقاء إلى عالم الغيب.
ثم فُتحت بوابات السماء لتبدأ رحلة المعراج، وهي رحلة الانتقال من عالم المادة إلى عالم الملكوت، حيث ترقى النبي ﷺ من سماء إلى سماء، وفي كل سماء كان يلقى من الأنبياء ترحيباً يزيل وحشة ما لاقاه من أهل الأرض. استمر هذا العروج المهيب حتى وصل النبي ﷺ إلى مقام لم يطأه بشر ولا ملك، عند سدرة المنتهى، حيث تجلى الرب الكريم بفيوضات رحمته على عبده ونبيه. هناك، في تلك الخلوة الإلهية، لم يكن الكلام عن عذابات قريش أو صدود أهل الطائف، بل كان الحديث عن فرض الصلاة التي جعلها الله معراجاً يومياً لكل مؤمن يطلب القرب والمواساة.
لقد عاد النبي ﷺ من تلك الرحلة العظيمة بصدرٍ منشرح ويقينٍ لا يتزحزح، فقد رأى من آيات ربه الكبرى ما جعل كل صراخ قريش وتهديداتهم تتضاءل أمام عظمة ما شهد. كانت الرحلة بمثابة إعلان إلهي بأن الحزن مهما استبد بقلب المؤمن، فإن الله يدخر له من الجبر ما لا يخطر على قلب بشر، وأن الشدة ما هي إلا مخاض لعطاء كريم. وهكذا ظلت ذكرى الإسراء والمعراج درساً خالداً في فلسفة الصبر، تخبرنا أن الله لا ينسى عباده الصابرين، وأن الفرج يأتي دائماً على قدر الألم، ليحول الحزن إلى مجدٍ يملأ الآفاق والزمان.
إن ذكرى الإسراء والمعراج هي دعوة لكل محزون ولكل مكروب بأن يرفع بصره نحو السماء. هي تذكير بأن الله الذي طوى المسافات لنبيه في ليلة واحدة، قادر على أن يطوي مسافات الحزن والضيق في حياتنا. فليكن معراجنا الروحي في صلاتنا ويقيننا، ولنعلم أن الصبر مهما طال، فإن نهايته دائماً جبرٌ عظيم.


