السيد الجمل يكتب: رمضان بين هدوء الماضى وضجيج الحاضر
بين أزقة قريتنا الضيقة وبيوتها المبنية بـ “الطوب اللبن”، كانت تفوح رائحة ليست ككل الروائح، إنها رائحة “البركة” التي كانت تملأ الأجواء مع اقتراب شهر رمضان. لم تكن مجرد أيام للصيام، بل كانت حالة من العشق الجماعي، والروحانية التي لم تستطع الحداثة بكل صخبها أن تعوضنا عنها.
ما إن يهلّ هلال الشهر الكريم، حتى تتبدل ملامح قريتنا الصغيرة؛ فتهدأ النفوس، وتتآلف القلوب، وتصبح “المودة” هي العملة الوحيدة المتداولة بين الناس. لم نكن بحاجة إلى تقويم لنعرف موعد رمضان، فقد كانت قلوبنا تستشعره في صوت أذان المغرب الذي يتردد صداه عبر الحقول، وفي لمة العائلات التي تفترش “الحصير” في انتظار مدفع الإفطار.
كان للفانوس في قريتنا سحر خاص؛ لم يكن بلاستيكياً يصدر موسيقى صاخبة، بل كان “فانوساً صاجاً” أصيلاً، يتدلى من وسطه شمعة صغيرة كنا نحافظ على اشتعالها وكأننا نحرس كنزاً. كان الأطفال يطوفون الشوارع المظلمة إلا من نور فوانيسهم، مرددين “وحوي يا وحوي”، في سيمفونية شعبية تجعل الحجر ينطق بالبهجة.
أجمل ما يميز رمضان “زمان” هو ذلك “الطبق الدوار” فلا يمكن لأسرة أن تفطر دون أن تتبادل الأطباق مع جيرانها. كان الطعام ينتقل من بيت لآخر حتى تشعر أن القرية كلها تأكل من مائدة واحدة. لم يكن هناك غريب أو محتاج، فالجميع أهل، والبيوت مفتوحة دائماً لكل عابر سبيل.
وفي جوف الليل، وحين يسكن كل شيء، يأتي صوت طبلته الرخيم ليشق صمت القرية. “اصحى يا نايم.. وحد الدايم”. كان المسحراتي يعرفنا بالاسم، فينادي على كل طفل ليشعره بأنه جزء من هذا الطقس المقدس. لم تكن طبلته مجرد أداة للتنبيه، بل كانت إيقاعاً يضبط نبض قلوبنا على التقوى والإيمان.
على ناصية الشارع الرئيسي، كان ينصب بائع الكنافة فرنه البلدي. مشهد “رشة” العجين على الصاج الساخن في حركات دائرية سريعة كان يمثل لنا قمة الترفيه. كنا نقف في طابور طويل، لا لنشتري فقط، بل لنستمتع برائحة العجين وهو ينضج، وبحديث الجيران الجانبي الذي لا ينتهي إلا بضحكات صافية.
في صلاة التراويح، كان المسجد الصغير يضيق بالمصلين، فتمتد الصفوف إلى الخارج تحت ضوء القمر. كان للقرآن في قريتنا وقع مختلف، يمتزج بهدوء الريف ونقاء الفطرة، فيشعر الإنسان أن السماء قريبة جداً، وأن الله يبارك في كل شيء، مهما كان بسيطاً.
رحل رمضان “زمان” بتفاصيله البسيطة، لكن أثره باقٍ في وجداننا. فهل يمكننا اليوم، وسط ضجيج التكنولوجيا، أن نستعيد تلك الروح؟ ربما لا نحتاج إلى فوانيس شمع، لكننا بالتأكيد نحتاج إلى تلك القلوب التي كانت تضيء قبل الفوانيس.
أما رمضان اليوم حين سرقت “الشاشات” جلال اللحظة لكن، ومع دوران عجلة الزمن، تبدلت الملامح وغابت تلك الروح البسيطة التي كانت تغلف قريتنا. اليوم، اقتحمت التكنولوجيا بيوتنا دون استئذان، فحلّ “اللون الأزرق” المنبعث من شاشات الهواتف محل “نور الشموع” الدافئ. ضاعت هيبة الشهر الكريم وسط صخب “التريندات” ومسابقة الزمن لتصوير الموائد بدلاً من الاستمتاع بلمتها.
لم يعد “الطبق الدوار” ينتقل بين الجيران كما كان، بل استُبدل بصور “السيلفي” والمنشورات الافتراضية التي توحي بالاتصال لكنها تكرس الانفصال. تحول الصيام عند البعض إلى مجرد انتظار لمسلسلات لا تنتهي، وضاعت الروحانيات في فوضى الإعلانات التجارية التي لا تهدأ.
أصبحنا نعيش في “قرية رقمية” مزدحمة بالمشاكل والضجيج، بينما كانت قريتنا الحقيقية هادئة بقلوب أهلها. زادت المشاحنات، وضاق الوقت الذي كان مباركاً، وكأن التكنولوجيا التي وعدتنا بتقريب المسافات، قد خلقت جداراً عازلاً بيننا وبين جوهر رمضان. لم يعد صوت المسحراتي يهز الوجدان كما كان، فالجميع مستيقظ أصلاً خلف شاشاتهم، يطاردون أخباراً لا تنفع، ويضيعون ساعات السحر في نقاشات عقيمة.
وختاماً رحل رمضان “زمان” بتفاصيله البسيطة، وبقينا نحن نكافح لاستعادة ولو جزءاً بسيطاً من تلك السكينة. ربما لا نحتاج إلى إلغاء التكنولوجيا، لكننا حتماً بحاجة إلى “هدنة” مع أنفسنا، لنعيد لرمضان هيبته، وللقلوب تآلفها، وللقرية روحها التي كانت لا تنام إلا على ذكر الله وحب الناس.



