جودة لطفى يكتب من الآخر : غطرسة أمريكا وصمت العالم

تُعد الغطرسة الأمريكية واحدة من أكثر الظواهر التي تهدد العلاقات الدولية في العصر الحديث. تتمثل الغطرسة الأمريكية في التصرفات والسياسات التي تتبناها الولايات المتحدة الأمريكية تجاه الدول الأخرى، حيث تعتبر نفسها القوة العظمى الوحيدة في العالم وتفرض سيطرتها على الدول الأخرى دون اعتبار لمصالحهم أو احترام لسيادتهم.

وترجع أسباب الغطرسة الأمريكية إلى القوة الاقتصادية والعسكرية حيث تتمتع الولايات المتحدة الأمريكية بقوة اقتصادية وعسكرية هائلة تجعلها تتصرف بطرق غير دبلوماسية تجاه الدول الأخرى.

في لحظات التحوّل الكبرى من تاريخ العالم لم تكن الحروب نتيجة حادثٍ مفاجئ، بل حصيلة تراكمٍ  من الاستفزازات، وسوء التقدير، وإدارة القوة بمنطق الغريزة لا العقل. ونحن نتابع اليوم تصاعد التوترات الدولية، لا يمكن فصل هذا المشهد المقلق عن سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي أعادت العالم إلى مناخ الحرب الباردة ولكن دون ضوابطها .

لعل إقدام الولايات المتحدة على احتجاز ناقلة نفط روسية لا يمكن قراءته كإجراء قانوني عابر، بل هو فعل سيادي عدائي يحمل دلالات استراتيجية شديدة الخطورة. فروسيا ليست دولة هامشية، بل قوة نووية كبرى، وعضو دائم في مجلس الأمن، وأي مساس بمصالحها الاقتصادية بهذا الشكل يُعد تجاوزًا صريحًا لقواعد الاشتباك غير المكتوبة بين القوى العظمى.
هذا الفعل لم يكن مجرد اعتراض شحنة نفط، بل تحديًا مباشرًا لهيبة الدولة الروسية، ورسالة مفادها أن واشنطن مستعدة لاستخدام القوة خارج أي إطار دولي، متجاوزة القانون الدولي، ومبدأ حرية الملاحة، وسيادة الدول.

حين يظهر الرئيس الروسي بوتين مرتديًا الزى العسكري ، فالأمر لا يدخل في إطار الدعاية أو الاستعراض، بل هو إعلان سياسي محسوب في علم السياسة، الرموز لا تُستخدم عبثًا، وارتداء القائد الأعلى للقوات المسلحة الزي العسكري في لحظة توتر دولي يعني أن الخيارات العسكرية باتت مطروحة على الطاولة.

التاريخ يُعلّمنا أن النفط لم يكن يومًا سلعة اقتصادية بحتة بل كان دومًا وقودًا للحروب والنزاعات. وما تفعله إدارة ترامب هو إعادة إنتاج منطق الهيمنة القديم

من يملك القوة يفرض قواعد اللعب ولو على حساب استقرار البشرية لكن هذا المنطق تجاوزه الزمن فالعالم اليوم متعدد الأقطاب، وأي محاولة لفرض إرادة أحادية بالقوة لن تؤدي إلا إلى انفجارات جيوسياسية متتالية.

لم تتوقف سياسات الرئيس الأمريكي ترامب عند روسيا، بل امتدت إلى فنزويلا، حيث شهدنا تصعيدًا غير مسبوق في الخطاب السياسي، وصل إلى حد تهديد القيادة الجديدة بشكل علني، وابتزازها سياسيًا واقتصاديًا.
إن تهديد رئيس دولة ذات سيادة، والتنويح بعقاب “أشد من مادورو”، هو سلوك يتناقض مع أبسط مبادئ القانون الدولي، ويُظهر عقلية ترى في الدول الأخرى ساحات نفوذ لا كيانات مستقلة.

الأخطر من هذه السياسات هو الصمت الدولي. فحين يُحتجز النفط بالقوة، وتُهدد الدول علنًا، ويُستخدم الاقتصاد كسلاح خنق، دون رد فعل حاسم من المجتمع الدولي، فإن هذا الصمت يتحول من حياد إلى مشاركة غير مباشرة في صناعة الفوضى.

لقد علّمنا التاريخ أن التهاون مع السياسات العدوانية في بدايتها، هو ما مهّد الطريق للحربين العالميتين الأولى والثانية.

ما يميز سياسات ترامب ليس القوة، بل غياب الحكمة في استخدام القوة فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بعدد حاملات الطائرات، بل بقدرتها على تجنب الحرب لا إشعالها، وعلى احتواء الخصوم لا استفزازهم.

إن اللعب على حافة الهاوية، واختبار صبر القوى الكبرى، واعتبار الاقتصاد سلاحًا بلا عواقب، هو وصفة مؤكدة لاضطراب عالمي قد لا ينجو أحد من نيرانه.

إن ما نشهده اليوم ليس صراعًا بين دول فقط، بل صراع بين منطق الدولة العاقلة ومنطق السياسة المتهورة. وإذا استمر هذا النهج القائم على التهديد، والابتزاز، وفرض الإرادة بالقوة، فإن العالم لن يكون أمام احتمال حرب عالمية ثالثة…

فالغطرسة الأمريكية ظاهرة تهدد العلاقات الدولية وتزيد من خطر الحروب والصراعات. يجب على الولايات المتحدة الأمريكية أن تعيد النظر في سياساتها الخارجية وتعمل على تعزيز الدبلوماسية والاحترام لمصالح الدول الأخرى.

والسؤال الذي يجب أن يُطرح  :
هل يتعلم العالم من دروس التاريخ، أم يعيد ارتكاب الأخطاء نفسها بثمن أفدح؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى