مني النمر تكتب: إلتباس … ام سوء فهم …!!
ليس كل وجع مؤشر على البعد عن الله ، ولا كل دمعة علامة على ضعف الإيمان … أحيانا يحتاج الإنسان فقط أن يُفهم و يُعترف بمشاعره …
و لكننا نصبنا الأحكام المسبقة ، وكأن الحزن خطيئة ، وكأن الدموع دليل ضعف الإيمان ، وكأن الألم شهادة رسوب في الرضا …
الحقيقة أبسط وأعمق من ذلك بكتير .
الحالة النفسية للإنسان ليست مقياس لإيمانه ، و ليست دليل على علاقته بربنا ، و ليست حكم نهائي على قوة يقينه …
النفس البشرية أعقد من إننا نحاصرها في جملة جاهزة ، أو نختصر وجعها في اتهام …
النبي ﷺ نفسه مر بعام سُمي “عام الحزن” …
عام فقد فيه زوجته السيدة خديجة رضي الله عنها ، وفقد فيه عمه أبا طالب .
كان حزنا حقيقيا ، ثقيلا ، إنسانيا .
ولم ينكر ، ولم يخف .
وعندما فقد ابنه إبراهيم ، قال كلمته الخالدة التي تختصر التوازن الإنساني كله:
“إن العين لتدمع ، وإن القلب ليحزن ، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون” …
لم يقل أنا نبي فلا أحزن ، ولم يقل إن الحزن ينافي الرضا ، بل جمع بين الدمع والإيمان في جملة واحدة …
سيدنا موسى عليه السلام قال: “ويضيق صدري” …
وسيدنا يعقوب بكى حتى “ابيضت عيناه من الحزن” …
وربنا سبحانه وتعالى وصف نبيه ﷺ بقوله: «فلعلك باخع نفسك على آثارهم» .
أي مهلك نفسك من شدة الغم و الحزن …
هل كان الأنبياء بعيدين عن الله …؟!!
هل كان إيمانهم ناقصا …؟!!
أم أن الحزن جزء أصيل من الطبيعة الإنسانية ؟
ممكن جدا إنسان يكون راضيا بقضاء الله ، مؤمنا أن كل شيء بقدر ، واثقا أن الله لا يكتب إلا الخير …
ومع ذلك يكون “تعبان ، مجهد ، محطم من كثرة الخبطات ، منهك من طول الطريق ” …
ليس قلة ايمان أن يقول «يا رب» وهو يبكي …
و ان يكون الدعاء طالع من قلب موجوع ليس من قلب هادئ …
و هذا لا ينقصه ، بل يقربه …
الرسول ﷺ علمنا ندعي:
«اللهم إنا نعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، وغلبة الدين وقهر الرجال».
لو كان الحزن دليل ضعف إيمان ، لم يكن استعاذ منه ، ولا اعترف بوجوده كحال إنساني يمر به البشر …
المشكلة ليست في الحزن ، المشكلة في قسوتنا على الحزين …
في تحميل الناس فوق طاقتهم .
في إننا بدل ما نحتوي ، نحاكم …
وبدل ما نسمع ، نلقي مواعظ جاهزة …
ليس كل حزين محتاج نصيحة ،
ولا كل متعب محتاج تصحيح عقيدة ،
ولا كل باكي محتاج اتهام بعدم الرضا …
أحيانا كل ما يحتاجه الإنسان ان يقال له :
“وجعك مفهوم”.
“إنت مش غلطان”.
لو لم تستطع الفهم ، أجعل عندك رحمة …
و إذا لم تمتلك القدرة على التداوي ، لا تجرح …
الناس لا ينقصها أحكام ، الناس محتاجة أمان …
الحزن لا يناقض الإيمان ،
والدموع لا تلغي الرضا ، و الوجع ليس دليل بعد عن الله …
أرجوكم … اتركوا مساحة للإنسان يكون إنسان …



