السيد الجمل يكتب: ” مصابيح الأرواح ” نورٌ يَهزم اليأس وسط عتمة الظلام

في زاوية منسية من محطة القطار الكبرى ، حيث يهرع الجميع نحو غاياتهم كآلات مبرمجة، كان يجلس ” العم منصور”. رجل سبعيني لم يكن يطلب مالاً ولا يبيع جرائد، بل كان يوزع “نوراً” على هيئة قصاصات ورقية ملونة. في إحدى الأمسيات الممطرة، تعثر به “كريم”، شاب مثقل بهموُم العصر وخيبات الأمل، وكاد أن يفرغ غضبه في وجه العجوز، لولا أن الأخير مد له ورقة صفراء صغيرة كُتب عليها بخط يده:

“يا بني، الضوء موجود فى السماء دائماً ، لكن أحياناً ينبعث من عثراتنا إذا قررنا أن ننهض”.

تلك الكلمات لم تكن مجرد حبرعلى ورق، بل كانت “مصباحاً” أضاء عتمة نفس كريم الذى كانت مثقلة من الهموم ، فقرر نقل “عدوى النور” إلى سيدة حزينة تحتضن طفلها وتبكى في حافلة مزدحمة، عبر كلمات تلك الورقة البسيطة التى أعطاها للسيدة الحزينه وعند قراءتها فاح عبير ابتسامتها لتعلم أن وسط العتمة نور . هذه القصة، رغم بساطتها، تضعنا أمام تساؤل جوهري: هل نعيش حقاً في عالم مظلم، أم أننا فقدنا فقط القدرة على إشعال أعواد الثقاب؟

نعيش اليوم في عصر “الإضاءة الكاملة” ، مدن لا تنام، وشاشات تلمع في أيدينا ليل نهار. ولكن، للمفارقة، كلما زادت شدة الضوء الكهربائي، زاد شعور الإنسان بـ “العتمة النفسية”. الظلام في عالمنا المعاصر ليس غياباً للفيزياء، بل هو “ظلام المعنى”، حيث تحول البشر إلى أشباح رقمية تتحرك في “غابة خرسانية” باردة، لا تتقاطع فيها العيون ولا تتشابك فيها القلوب. الظلام الحقيقي هو حالة “اللا مبالاة” التي تجعلنا نمر بجانب المتألم دون أن نراه، ونسمع صرخة المستغيث كأنها ضجيج خلفي لا يعنينا. أصبح “الآنا” هو المسيطر على حياتنا .

يُعلمنا العم منصور في قصته درساً بليغاً في المقاومة الإنسانية؛ فهو لم يحاول إضاءة المدينة بأكملها، بل ركز على “إضاءة زاوية صغيرة”. إننا غالباً ما نغرق في اليأس لأننا نعتقد أن تغيير العالم يتطلب معجزات كبرى، بينما الحقيقة أن النور فعل تراكمي.

إن الابتسامة في وجه عابر، أو كلمة ثناء لعامل بسيط، أو رسالة دعم لصديق منكسر، هي “فواصل من نور” تكسر حدة الجملة المظلمة التي نعيشها. إنها “عدوى الأمل” التي إذا ما بدأت، لا يمكن لظلام العالم مهما بلغت كتلته أن يطفئها.

إننا في حاجة ماسة اليوم إلى استعادة القدرة على “رؤية” الآخر. العالم لا يحتاج إلى المزيد من التكنولوجيا بقدر حاجته إلى المزيد من “البشر”؛ هؤلاء الذين يدركون أن دورهم في الحياة ليس فقط الجري وراء المادة، بل أن يكونوا “مصابيح أرواح” لغيرهم. لقد استطاع كريم، بفضل ورقة صغيرة، أن يخرج من قوقعة أنانيته وأحزانه ليرى حزن تلك السيدة في الحافلة. هذا هو الانتصار الحقيقي؛ أن نخرج من عتمة “الأنا” إلى ضياء “النحن”.

إن هذا “النور” الذي نبحث عنه بين ركام المادة وصخب الحياة، ليس مجرد خيال أدبي، بل هو جوهر الهدي النبوي الذي أرسى قواعده معلم البشرية ﷺ. ففي الوقت الذي يظن فيه الكثيرون أن العطاء محصورٌ في المال، جاءت الشريعة لتوسع مفهوم “الصدقة” لتشمل أدق التفاصيل الإنسانية فى “الابتسامة والكلمة الطيبة”

فحين تضيق بك السبل، تذكر قول الصادق المصدوق ﷺ: “تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ”؛ ليعلمنا أن إشراق الوجه هو أول عتبات إشراق الروح في حياة الآخرين. ولم يقف الجود النبوي عند حدود الملامح، بل امتد ليشمل نبض الحروف وجبر الخواطر، حين أخبرنا ﷺ أن “الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ”.

إنها الكلمة التي تعمل عمل الغيث في الأرض الجدباء، فتحيي قلوباً أرهقها جفاء الزمان. بذلك، تتحول أفعالنا البسيطة إلى عبادات ربانية تضيء لنا ولغيرنا الطريق. فكن أنت ذلك “المتصدق” بنوره، الزارع للأمل بابتسامته، والمحيي للنفوس بكلماته، لتكون بحق شعلةً لا تنطفئ في عالمٍ بارد يحتاج إلى الدفء أكثر من أي وقت مضى .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى