محمد مطر يكتب: عباد الشيطان
الفكر الإنساني بصيص من النور الإلهي الفائض على الوجود، والمفكرون مصابيحه، ينعكس منهم على من دونهم، وإن أخطر عباد الشيطان، هم الذين ينشرون الظلام، ويظنون أنهم نور، ينشرون الحروف ويظنون أن كل حرف منها شبح نور لا يمتزج بمقال الزور، وهم عبيد بطونهم، وأسرى مشاعرهم، ومن هنا يظهر الفرق جليا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، فليست الولاية لقبًا، وليست كرامة تتلألأ في السماء، لكن الولاية طريق داخلي ينتهي عند بابين، باب الله وباب الشيطان، وما بينهما ليس إلا قلبُ الإنسان، فأولياء الرحمن من صَفَت قلوبهم فصاروا مرايا للنور، والوليّ الرَّحماني يبدأ رحلته من الداخل، من مواجهة ظله، من ترويض شهواته، ومن تطهير نيّاته حتى لا يبقى في داخله إلا الله..
أولياء الرحمن هم الذين قال عنهم الحق (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)، لأنهم دخلوا في مقام اليقين
يقين بالرحمة، يقين بالعدل، يقين بأن النفس إذا تهذبت صار القلب مستودعًا للنور، هؤلاء يعيشون بين الناس ولا يحملون سيفًا، ولا يطلبون أتباعًا ولا يسعون لسلطة، ولا يزاحمون أحدًا على الدنيا، قوتهم داخلية، إذا مررت بهم شعرت بالطمأنينة
وإذا تكلموا رفعوا الجهل، وإذا نصحوا أحيوا القلوب، وإذا أحبوا رفعوا من يحبّهم إلى الله لا إلى أنفسهم.
ابن عربي قال..
وليّ الرحمن دمثُ الأخلاق عذب السريرة مُستسلم لحكمة الله، ليس في قلبه موضع لغير الحق،
والجيلي وصفهم بأنهم.. أرباب القلوب المنكسرة، الذين يعرفون الله بالافتقار لا بالاستعلاء.
أما أولياء الشيطان.. فهم الذين عبدوا أنفسهم دون أن يشعروا، فالشيطان لا يطلب منك أن تسجد له، بل يطلب منك فقط أن تسجد لنفسك، فوليّ الشيطان ليس ساحرًا ولا مشعوذًا بالضرورة، لكنه أحيانًا يرتدي بدلة أنيقة، ويملك سلطة، ولديه أتباع، ويبدو واثقًا من نفسه بشكل يخدع العيون، لكن داخله خراب، خراب من نوعٍ يتخفّى تحت قناع القوة.
أولياء الشيطان هم الذين تتلوث نواياهم بالآتي.. حب السيطرة، الإيذاء باسم الحق، خداع النفس قبل الآخرين، وتعظيم الأنا حتى تصبح إلهًا صغيرًا داخل القلب، هؤلاء قال الله عنهم (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ)، أي أنهم فقدوا الاتجاه، وصاروا يدورون حول أنفسهم
ويظنون أن ذلك نور، وهو ظلام كثيف.
في علم النفس هذا النوع من الولاية المظلمة، يسمى نرجسية روحية، حين يظن الإنسان أنه أعلى من الخلق، وأن له امتيازًا سماويًا، وأن الناس خُلقت لتخدم رسالته.
الرومي قال عنهم جملة مذهلة
(الذين ينشرون الظلام وهم يظنون أنهم نور هؤلاء هم أخطر عباد الشيطان).
الفرق الجوهري بين الولايتين
النيّة.. فوليّ الرحمن نيّته الحق، ووليّ الشيطان نيّته الذات.
القوة.. قوة وليّ الرحمن رحمة، قوة وليّ الشيطان سيطرة.
الأثر.. وليّ الرحمن يحرر، وليّ الشيطان يقيّد.
العلاقة بالناس، وليّ الرحمن قريب بلا ادّعاء، وليّ الشيطان يتعالى ليُضعِف الآخرين.
العلاقة بالله، وليّ الرحمن يذوب في إرادة الله، وليّ الشيطان يعبد إرادته الخاصة.
كيف يُعرف وليّ الرحمن؟
ليس بالكرامات، ولا بالانتشار، ولا بالهالة، ولا بالمريدين، بل يُعرف بـ حالة القلب، إذا جلست معه، انطفأ صخبك الداخلي، وإذا سمعت كلامه، هدأت نفسك، إنه يُعيدك إلى نفسك، لا إلى سلطانه.
وكيف يُعرف وليّ الشيطان؟ لا بالظلام، بل بالوهج الكاذب، بالكاريزما دون رحمة، وبالقوة دون حكمة، وبكثرة الأتباع دون نور، إذا جلست معه ازداد اضطرابك، وإذا تبعته ابتعدت عن نفسك.
فالولاية ليست امتيازًا مقدسًا
بل اختيارٌ يومي، هل تمد قلبك إلى النور، أم إلى نفسك؟ هل تفتح بابك لله، أم لأهوائك؟ والله قال كلمة فاصلة تحسم الأمر كله (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ)، أي أن وليّ الرحمن محروس، ولو لم يحمل سيفًا، ووليّ الشيطان مكشوف، ولو بدا قويًا.
وإلى لقاء إن قدر الله لنا البقاء…



