السيد الجمل يكتب: شبابنا “عقول مفرغة وأفواه فارغة “

في أي مقهى، أو في وسائل النقل العام، أو حتى في التجمعات العائلية، يتكرر المشهد ذاته ، رؤوس منحنية، وعيون مثبتة على شاشات مضيئة، وأصابع تتحرك بسرعة جنونية. صمت مطبق يقطعه فقط صوت إشعارات التطبيقات، أو ضحكات متقطعة على فيديو لا يتجاوز عمره الثواني. هذا المشهد، الذي بات اعتيادياً، يخفي خلفه كارثة صامتة دفعت البعض لإطلاق وصف قاسٍ، لكنه ربما يكون ضرورياً: “شبابنا اليوم: عقول مفرغة، وأفواه فارغة”.

إنها عبارة صادمة، وقد تبدو للوهلة الأولى تجنياً على جيل بأكمله، لكن الغوص قليلاً تحت سطح الواقع يكشف عن أعراض مقلقة لمرض اجتماعي وثقافي يستشري بين فئة واسعة من شبابنا.

فأصبح فراغ العقول في زمن “المعلومة السريعة” هو السائد الآن بل وأصبحت العقول ممتلئة فقط بتفاهات وتريندات وهمية ، لم يكن الوصول إلى المعلومة أسهل مما هو عليه اليوم. بضغطة زر، تنفتح أمام الشاب مكتبات العالم. لكن المفارقة المؤلمة هي أن هذه الوفرة خلقت نوعاً جديداً من الجهل “جهل المتخمين”.

لقد استبدل الكثير من شبابنا اليوم الكتاب بالمقطع القصير على الريلز والتيك توك، والتحليل العميق بالعنوان المثير ، والثقافة الحقيقية بمعلومات متناثرة لا رابط بينها، يسمعونها من “مؤثرين” وللاسف قد لا يملكون من التأثير سوى القدرة على استعراض المظاهر . وإننى حقا عندما أرى شبابنا اليوم بتسريحاتهم المشمئزة والصاقها بالموضة والتقليد الاعمى دون النظر لدين او تقاليد ينتابنى حالة من الحزن الشديد ، فأصبح الشباب ينتظر التريند القادم وكأنهم يبحثون عما يشغل وقتهم بالتفاهات .

وأصدمك قولاً أن مارك مخترع الفيسبوك لا يستخدمه سوى بضع دقائق قليلة ويحتفظ بمكتبه كبيرة من الكتب فى بيته وكل يوم يقرأ كتاباً معللا ذلك بأن القراءة من الكتب تفتح للعقل أفاقا واسعة ، وأن مخترع التيكتوك نفسه لا يستخدمه معللا بأنه يبحث عن الثقافة من الكتب لا من مقاطع الريلز ! فلتبحث وتقرأ بنفسك عن هؤلاء وكيفية حياتهم اليومية .
لقد أصبحت العقول “مفرغة” ليس لغياب المحتوى، بل لأن المحتوى الذي يملؤها “فارغ”. عقول تستهلك يومياً آلاف الصور والكلمات عن أحدث صيحات الموضة، وفضائح المشاهير، ورذائل الفنانات ، وتحديات الإنترنت السخيفة، لكنها تقف عاجزة أمام نقاش جاد حول قضية اجتماعية، أو تاريخية، أو حتى اقتصادية تمس مستقبلهم المباشر. لقد تآكلت القدرة على التركيز، وأصبحت “ضحالة الفكر” هي السمة السائدة في عصر السرعة.

أصبح الشباب أفواه فارغة تملؤها ثرثرة بلا معنى أو صمت عن الحق
الشق الثاني من المعادلة، “الأفواه الفارغة”، لا يقل خطورة. يمكن تفسير هذا الفراغ على مستويين.

المستوى الأول هو “الثرثرة الفارغة”. إذا استمعت لحوارات الكثير من التجمعات الشبابية، ستجدها تدور في فلك الاستهلاك: ماذا نشتري؟ أين نأكل؟ ماذا لعبنا؟ حوارات تفتقر إلى العمق، تعكس اهتمامات سطحية، وتستخدم لغة هجينة وركيكة، خليطاً مشوهاً من العربية والإنجليزية يعجز عن التعبير عن فكرة مركبة واحدة.

المستوى الثاني، والأخطر، هو أن تكون الأفواه فارغة من “القضية”. جيل ينشأ في ظل تحديات اقتصادية وسياسية هائلة، لكن قطاعاً كبيراً منه يبدو منفصلاً تماماً عن واقعه، يعيش في فقاعة افتراضية وردية. أفواه لا تطالب بحق، ولا تناقش مستقبلاً، ولا تعترض على خطأ، لأنها مشغولة بـ “التريند” القادم. إنه نوع من “الانسحاب الاجتماعي” المقنّع بالانغماس الرقمي.

ونتسائل هل هم الجناة أم الضحايا؟
لكن، وحتى نكون منصفين، هل يمكننا تحميل الشباب وحدهم وزر هذا الفراغ؟
بالتأكيد لا. هؤلاء الشباب هم نتاج بيئة صنعها الجيل السابق. هم ضحايا نظم تعليمية تعتمد التلقين وتقتل التفكير النقدي، وضحايا إعلام يروج للتفاهة على أنها نجاح، وضحايا آباء استسهلوا التربية بوضع الشاشات في أيدي أطفالهم لإسكاتهم. لقد ورثوا عالماً مادياً قاسياً يقيّم الإنسان بما يملك لا بما يعرف.

ونقف عند الاستثناء وقارب النجاة!
إن التعميم لغة الجهلاء. لذا، يجب أن نقر بوجود فئة مضيئة من الشباب، استغلت التكنولوجيا لبناء عقول فذّة، شباب يقرأون، يبتكرون، ويقودون مبادرات اجتماعية وعلمية رائعة. هؤلاء هم الاستثناء الذي يثبت القاعدة، وهم الأمل المتبقي.
ختاماً، إن وصف “عقول مفرغة وأفواه فارغة” ليست سُبه ، بل هو صرخة تحذير. إذا لم نتدارك الأمر، وإذا لم يستفق الشباب أنفسهم ليدركوا أنهم يتحولون إلى مجرد “مستهلكين” في سوق كبير، فإننا نواجه مستقبلاً يقوده جيل هش، سهل الانقياد، وعاجز عن مواجهة تحديات الواقع. المهمة الآن ليست ملء البطون، بل إعادة ملء العقول بما ينفع، وتشغيل الأفواه بما يفيد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى