مني النمر تكتب: إسرائيل الكبرى والوعد المزعوم …!!

هل ما يجري حولنا اليوم مجرد أحداث وليدة اللحظة …؟
أم أنه جزء من مخطط قديم بدأ منذ عقود طويلة عبر خيوط متشابكة تحاول إعادة رسم خريطة منطقتنا ، فيما يسمى “الوعد الإلهي” المزعوم و”إسرائيل الكبرى” …
فكانت من نتائجها الحروب والصراعات التي لم تهدأ حتى الآن …
منذ عقود طويلة ، تتردد على مسامعنا مقولات حول “الوعد الإلهي” الذي يزعم قادة إسرائيل أنه منح اليهود حق العودة وإقامة دولة من النيل إلى الفرات …
لكن حين نعود إلى قراءة التاريخ بوعي وهدوء ، نكتشف أن هذا الوعد ليس إلا غطاءً أيديولوجياً يخفي خلفه مشروعاً استعمارياً توسعياً يسعى للهيمنة على المنطقة وإعادة تشكيلها بما يخدم المصالح الصهيو-أمريكية …
منذ آلاف السنين ، ارتبطت قصة بني إسرائيل بفكرة “الوعد الإلهي” بالأرض المقدسة …
حيث نشأة فكرة “إسرائيل الكبرى” ، و ارتبطت دائما بخطاب ديني يقوم على استدعاء “الوعد الإلهي” بالعودة ، بينما الحقيقة التاريخية تكشف أن العودة الكبرى لليهود إلى فلسطين حدثت بالفعل بعد السبي البابلي في القرن السادس قبل الميلاد ، حين سمح الملك الفارسي كورش لهم بالعودة إلى القدس و إعادة بناء الهيكل ، ما اعتبره اليهود حينها تحقيقا لوعد الله في التوراة …
أي أن ذلك الوعد إذا صح فقد تحقق بالفعل منذ آلاف السنين …
و أن العودة التاريخية ، لم تعن أبدا أن الأرض ستكون لهم دون غيرهم ، أو أنها وعد أبدي …
و قد جاء ذكر هذا الوعد مشروطا في القرآن الكريم:
حيث ذكر قصة بني إسرائيل بوضوح ، خاصة في سورة الإسراء:
“وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا” (الإسراء: 4).
و التي ذكر فيها أن الله سبحانه وتعالى بعث عليهم عباداً أولي بأس شديد في المرة الأولى ، ثم يعيد الكرة عليهم في المرة الثانية …
والآيات تبين أن العلاقة مشروطة: الطاعة والعدل تقود للتمكين ، والفساد والظلم يقودان للهلاك …
بمعنى آخر ، القرآن لم يمنح “شيكا مفتوحا” ببقاء أو عودة أبدية ، بل ربط الأمر بعملهم وصلاحهم …
و كذلك جاءت الآية 104 سورة الإسراء –
﴿اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا﴾ ، أي أن العودة ليست تكريما ، بل عقوبة وجمع لليهود قبل النهاية ، ما يعني أن الاستشهاد بالنصوص لتبرير الاحتلال الحالي هو قراءة انتقائية ومضللة …
المهم هنا أن النصوص لم تحدد أبداً “إسرائيل الكبرى” بحدودها التي يروج لها الاحتلال اليوم ، بل كانت تتحدث عن عودة محدودة مرتبطة بزمن وظرف معين …
فنجد الان ، عبر التاريخ الحديث ، إستعادة هذا الوعد مرة أخرى كذريعة لتبرير الاحتلال ، ولإقناع الشعوب اليهودية أن الحروب المستمرة ذات قداسة إلهية ، بينما هي في حقيقتها حروب استعمارية هدفها التوسع والسيطرة ونهب ثروات المنطقة …
تصريحات بنيامين نتنياهو الأخيرة حول “حدود إسرائيل الكبرى” لم تقتصر على فلسطين ، بل امتدت لتشمل مصر وسوريا والعراق ولبنان ، في محاولة لإحياء هذا المشروع الوهمي .
وما يفعله اليوم لا ينفصل عن مصلحته الشخصية ؛ فهو يحاول الهروب من المحاكمات الداخلية في قضايا الفساد ، ومن الملاحقات الدولية كمجرم حرب ، عبر إطالة أمد الحرب وصبغها بطابع ديني ليظهر أمام شعبه بمظهر “البطل الأسطوري” …
إذا نتنياهو ، ليس بطلا أسطوريا كما يحاول أن يصدر لشعبه … بل هو رجل غارق في قضايا فساد ، مهدد بالملاحقة الجنائية في الداخل ، ومطارد كمجرم حرب في الخارج ، يستخدم الدين كذريعة ، والوعد القديم كخرافة ، ليقنع شعبه بأن دماء الأطفال والنساء في غزة ليست جريمة ، بل “تاريخ مقدس”…
و هذا ما يؤكده الداخل الإسرائيلي ، و الذي ظهر جليا في إسرائيل نفسها ، حيث بدأت التصدعات تظهر بوضوح … تمردات داخل الجيش ، احتجاجات شعبية ، وحالة ارتباك داخلي تعكس رفضا متناميا لاستمرار الحرب …
و عند مراجعة الأحداث و التاريخ نجد أن هذا المخطط ليس وليد اليوم ، بل منذ وعد بلفور ، و زرع الكيان الصهيوني ارض فلسطين في قلب المنطقة العربية ، مروراً باحتلال فلسطين عام 1948 ، و ما تلاها من حروب المنطقة ، و التي لم تتوقف فيها إسرائيل عن السعي وراء هذا الوهم …
و كان الهدف النهائي هو تفتيت المنطقة العربية وإضعاف دولها الكبرى ، بحيث يسهل ابتلاعها أو تحييدها …
حدث ذلك في العراق ، بتدمير جيشه بدعوى أسلحة الدمار الشامل ، ليتحول بعدها إلى ساحة صراع طائفي …
وبعدها جاء ما سمي بالربيع العربي ، الذي لم يكن في جوهره إلا أداة أمريكية _ إسرائيلية لإشعال الفوضى ، وإعادة تقسيم المنطقة إلى دويلات صغيرة منهكة ، لا حول لها ولا قوة …
ليحول دولا مستقرة
كسوريا وليبيا واليمن
إلى دويلات منهكة بالصراعات الداخلية …
ومصر بالتأكيد لم تكن بعيدة عن هذه المؤامرات ، بل كانت المستهدف الأكبر ، و لما لا و هى دائماً الهدف الأكبر لكل هذه المخططات …
فمنذ عقود و المخططات تحاول بكل الطرق إدخالها في دائرة الفوضى …
فكانت 25 يناير ، ثم الإرهاب في سيناء ، حيث تسللت جماعات متطرفة بتمويل وتسليح إسرائيلي من داخل الأراضي الفلسطينية ، لمحاولة إنهاك الجيش المصري وإيجاد ذريعة لتدويل سيناء …
نعم سيناء …
حيث طرحت مشاريع علنية وسرية لتهجير الفلسطينيين من غزة إلى الأراضي المصرية ، سواء بالقوة ، او عن طريق التجويع والحصار حتى يقتحم الغزاويون الحدود …
و لم تقتصر على ذلك ، فكانت المؤامرات على مصر ، مرة بالاقتصاد … عبر محاولات متكررة لإغراقها في الديون ، وضرب عملتها الوطنية ، وإضعاف جيشها بالحرمان من مصادر التمويل و التسليح …
أو بالإغراء السياسي عبر وعود غربية بإسقاط الديون ومنح مليارات الدولارات مقابل تمرير هذا المخطط …
والهدف واحد … اقتطاع سيناء من مصر وضمها لإسرائيل ، باعتبارها الخطوة الأولى نحو “إسرائيل الكبرى”.
لكن مصر لم تكن غافلة …
على العكس ، كانت تدرك منذ زمن بعيد ما يحاك ضدها ، فلم تكن جلسات النخب الصهيونية والمؤتمرات الدولية حول “إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط” غائبة عن أجهزة الدولة المصرية ، فكانت حاضرة في كل مفاوضاتهم ومخططاتهم و اجتماعاتهم …
رافضة أي حلول تمس سيادتها أو أن تفرط في ترابها …
ولهذا فشلت كل المحاولات …
فشلت خطة الإفقار الإقتصادي ، وفشلت خطة التهجير ، وفشلت محاولات فتح جبهة سيناء … وظلت مصر عصية ، صلبة ، تعي أن سقوطها يعني سقوط المنطقة كلها …