الاقتصاد الأخضر يعيد رسم خريطة التأمين في مصر.. استثمارات جديدة واختبار لقدرات السوق
كتب/ عاطف طلب
بين فرص الاستثمار في الطاقة المتجددة وتصاعد تكلفة المخاطر المناخية، يقف قطاع التأمين المصري أمام معادلة اقتصادية جديدة: كيف يحوّل التحول الأخضر إلى مصدر للنمو دون تعريض محافظه التأمينية والاستثمارية لمخاطر يصعب تسعيرها؟ فالتوسع في مشروعات الطاقة النظيفة والبنية التحتية المستدامة لا يخلق احتياجات تأمينية جديدة فحسب، بل يفتح سوقًا واعدة أمام الشركات القادرة على تطوير منتجات متخصصة، وتوظيف التكنولوجيا، وتعزيز قدراتها الفنية والاكتوارية.
ومع توجه مصر نحو تعزيز الاستثمارات الخضراء، تزداد أهمية التأمين بوصفه أداة لحماية رؤوس الأموال، ودعم استمرارية المشروعات، وتهيئة بيئة أكثر قدرة على استيعاب الاستثمارات طويلة الأجل. غير أن اقتناص هذه الفرص يظل مرهونًا بكفاءة تقييم الأخطار، وتوافر البيانات، والقدرة على توفير تغطيات تتناسب مع طبيعة المشروعات وتكلفتها.
المخاطر المناخية.. فاتورة متزايدة لصناعة التأمين
تفرض الفيضانات والسيول وموجات الحرارة، وغيرها من الظواهر المناخية، ضغوطًا متزايدة على شركات التأمين وإعادة التأمين؛ نتيجة ما قد تسببه من أضرار للممتلكات والمنشآت والبنية التحتية، فضلًا عن خسائر توقف الأعمال.
ولا يتمثل التحدي في ارتفاع التعويضات المحتملة فحسب، بل في صعوبة الاعتماد على البيانات التاريخية وحدها لتقدير المخاطر المستقبلية. ومن ثم، يصبح تطوير النماذج المناخية، وتحليل البيانات الجغرافية، وإجراء اختبارات الضغط ضرورةً لتحسين التسعير وتحديد حدود التغطية والاحتياجات من إعادة التأمين.
وفي مصر، تبرز أهمية هذه الأدوات في ضوء المخاطر المرتبطة بالسيول وموجات الحرارة وارتفاع مستوى سطح البحر، بما يستدعي تطوير تقييمات تأمينية تراعي طبيعة الأصول والمناطق الجغرافية ودرجة تعرضها للخطر.
الطاقة المتجددة.. فرص تأمينية مرتبطة بالاستثمار
يمثل التوسع في مشروعات الطاقة الشمسية والرياح أحد أبرز مجالات النمو المحتملة أمام شركات التأمين المصرية، إذ تحتاج هذه المشروعات إلى تغطيات تبدأ من مرحلتي الإنشاء والتركيب، وتمتد إلى التشغيل، وأعطال المعدات، وتوقف الأعمال، والمسؤولية المدنية.
ويجسد مجمع “بنبان” للطاقة الشمسية بأسوان حجم الأصول التي تتطلب حماية تأمينية متخصصة؛ بدءًا من الألواح والمحولات، وصولًا إلى محطات الربط والبنية التحتية. كما تفتح مشروعات الهيدروجين الأخضر مجالًا جديدًا للأعمال، رغم ما تفرضه من تحديات فنية تتعلق بالإنتاج والتخزين والنقل وحداثة بعض التقنيات المستخدمة.
لكن نمو هذا النشاط لن يتحقق بمجرد توفير وثائق جديدة؛ إذ يتطلب تقييمًا هندسيًا دقيقًا، وتسعيرًا يعكس مستوى الخطر، وتحديدًا واضحًا للاستثناءات والتحملات، إلى جانب الاستعانة بإعادة التأمين في المشروعات ذات القيم الكبيرة.
الاستثمارات الخضراء.. فرص للتنويع بشروط مالية
يمتد دور شركات التأمين إلى دراسة الاستثمار في السندات الخضراء ومشروعات البنية التحتية المستدامة، بما يتناسب مع التزاماتها طويلة الأجل ومتطلبات السيولة والملاءة المالية.
ويمكن لمعايير البيئة والمجتمع والحوكمة ($ESG$) أن تساعد في رصد المخاطر البيئية والتنظيمية المؤثرة في قيمة الأصول، لكنها لا تغني عن التحليل المالي التقليدي أو تضمن تحقيق عوائد أعلى.
كما يفرض انتشار السيارات الكهربائية ومحطات الشحن احتياجات تأمينية جديدة، خصوصًا فيما يتعلق بالبطاريات وتكاليف الإصلاح ومخاطر الحرائق، بينما تتيح تغطيات المسؤولية البيئية فرصًا إضافية لحماية المنشآت الصناعية من الأضرار والتكاليف المشمولة بالوثائق.
التكنولوجيا والخبرات.. شرط لاقتناص الفرص
يظل نقص البيانات التاريخية عن بعض التقنيات الحديثة أحد أبرز التحديات أمام شركات التأمين، ما يتطلب تعزيز التعاون مع الخبراء الهندسيين ومراكز الأبحاث وأسواق إعادة التأمين.
ويمكن للذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة تحسين تقييم الأخطار والتسعير وتسوية المطالبات، شريطة توافر بيانات موثوقة والرقابة على مخرجات النماذج.
وبالنسبة إلى السوق المصرية، فإن تطوير القدرات الاكتوارية والفنية، وتحسين إتاحة البيانات المناخية، وتبادل الخبرات بين الشركات، تمثل ركائز أساسية لبناء منتجات أكثر دقة واستجابة لاحتياجات المستثمرين.
ويبرز هنا دور “الاتحاد المصري لشركات التأمين” في دعم تبادل المعرفة، ودراسة احتياجات السوق، وتشجيع تطوير التغطيات المتخصصة، بما يسهم في توسيع قاعدة الأعمال وتعزيز الوعي بالمخاطر الجديدة.
مصر أمام اختبار النمو التأميني المستدام
تتوقف قدرة قطاع التأمين المصري على الاستفادة من التحول الأخضر على تحويل الاستثمارات الجديدة إلى فرص أعمال قابلة للتسعير والإدارة، مع تحقيق التوازن بين التوسع في التغطيات والحفاظ على النتائج الفنية والملاءة المالية.
ويتطلب ذلك ربط تطوير المنتجات باحتياجات المشروعات الفعلية، وتعزيز الوقاية من الأخطار، وتحسين جودة البيانات، وتوسيع التعاون بين شركات التأمين والمستثمرين والجهات المعنية.
ختامًا، لا يمثل الاقتصاد الأخضر فرصة لزيادة حجم الأعمال التأمينية فحسب، بل هو اختبار حقيقي لقدرة السوق المصرية على تطوير نموذج أكثر كفاءة في إدارة المخاطر وتمويل الاستثمار المستدام. فكلما امتلكت الشركات أدواتٍ أدق للتقييم والتسعير، زادت قدرتها على حماية الاستثمارات وجذب أعمال جديدة، وتحويل التحول الأخضر من فرصة محتملة إلى محرك حقيقي للنمو التأميني والاقتصادي.



