بين مكتشِف الموهبة ومُنظّر الجهادية.. كيف صنع سيد قطب مجد نجيب محفوظ، ثم صنع فكرياً من كاد يقتله؟

كتب/ محمد مطر

في أرشيف الأدب المصري حكاية تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى المفارقة الروائية منها إلى الواقع، ناقد شاب يكتشف موهبة روائي مغمور فيصنع له اسماً، ثم يتحوّل هذا الناقد نفسه بعد سنوات إلى أبرز منظّري “الحاكمية” و”الجاهلية المعاصرة”، ليغدو إرثه الفكري أحد الروافد التي غذّت لاحقاً محاولة اغتيال ذلك الروائي بالطعن، هذه ليست حبكة أدبية، بل سيرة حقيقية جمعت بين نجيب محفوظ وسيد قطب، وفيها من التناقض ما يستحق أن نتوقف عنده لا لسرد الوقائع فحسب، بل لتفكيك المسار الفكري الذي حوّل قارئاً نبيهاً إلى خصمٍ عقائدي لما كان يحتفي به.

لحظة الاكتشاف
قبل أن يُعرف نجيب محفوظ بصاحب “الثلاثية” وقبل أن يتوّج بجائزة نوبل، كانت رواياته الأولى — “عبث الأقدار” و”رادوبيس” — تمر دون أن تحرك ساكناً في الوسط الأدبي، الرجل الذي غيّر هذا المسار كان سيد قطب، الناقد الأدبي الصاعد آنذاك في مجلة “الرسالة”، حين كتب عام 1944 عن رواية “كفاح طيبة” كلاماً يقطر حماسة: “لو كان لي من الأمر شيء لجعلت هذه القصة في يد كل فتى وكل فتاة، ولأقمت لصاحبها -الذي لا أعرفه- حفلة من حفلات التكريم التي لا عداد لها في مصر للمستحقين وغير المستحقين”.

لم يكن ذلك المقال حادثة عابرة، ففي العام التالي كتب عن “خان الخليلي” معتبراً أنها “تسجل خطوة حاسمة في طريقنا إلى أدب قومي، واضح السمات، متميز المعالم”، بل وضعها في مرتبة تفوق “عودة الروح” لتوفيق الحكيم، رغم أن الحكيم كان حينها من أساطين الأدب المصري الراسخين، وفي 1946 عاد ليعاتب المشهد النقدي المصري على تجاهله رواية “القاهرة الجديدة” لكاتب شاب لم يكتمل بعد نضجه.
بهذا المعنى الدقيق، لم يكن سيد قطب مجرد ناقد أشاد بموهبة عابرة، بل كان صانع الشرعية الأدبية الأولى لنجيب محفوظ، في لحظة كان فيها الأخير على وشك أن يبقى كاتباً هامشياً.

مساران متقاطعان ثم متباعدان
المفارقة الأعمق لا تكمن في أن الرجلين التقيا مرة عابرة في صفحات مجلة أدبية، بل في أن كليهما بدأ من نقطة انطلاق متشابهة: حساسية أدبية وثقافية رفيعة، وانبهار مبكر بإمكانات الحداثة الفكرية والفنية. الفارق الحاسم كان في اتجاه التطور اللاحق.

محفوظ ظل وفياً لمنطق السؤال المفتوح، وتنقّل من الرواية التاريخية الفرعونية إلى الواقعية الاجتماعية في الثلاثية، ثم إلى المرحلة الرمزية والوجودية في أعمال مثل “أولاد حارتنا” و”اللص والكلاب” و”ميرامار”، لم يقدّم محفوظ يقيناً نهائياً في أي مرحلة من مراحله؛ بل ظل الشك والمساءلة أداته الأثيرة، حتى في تعامله مع الدين والغيب والعدالة، وهو ما تجلّى بوضوح في “أولاد حارتنا” التي قاربت قصة الأنبياء والذات الإلهية عبر رمزية تأويلية لا عبر تقرير عقائدي.

قطب، في المقابل، بدأ ناقداً وشاعراً منتمياً إلى مدرسة عباس محمود العقاد وتلامذة “الديوان”، معجباً في شبابه بأفكار التحديث والانفتاح على الغرب، لكن رحلته إلى الولايات المتحدة بين عامي 1948 و1950 أحدثت فيه صدمة حضارية عميقة، حوّلت اهتمامه تدريجياً من النقد الأدبي إلى العمل الإسلامي التنظيري، من “التصوير الفني في القرآن” الذي ظل عملاً ذا نفس جمالي، انتقل إلى “معالم في الطريق” و”في ظلال القرآن”، حيث بنى نظرية “الحاكمية” التي تقضي بأن أي مجتمع لا يحتكم كلياً إلى الشريعة الإسلامية — بما في ذلك المجتمعات المسلمة القائمة نفسها — هو مجتمع “جاهلي” يستوجب التغيير الثوري.

هنا يكمن جوهر التفكيك الفكري لرجل احتفى بأدب يفتح الأسئلة، أصبح مُنظّراً لخطاب يغلقها، ومن موقع الناقد الذي يقرأ النص بحثاً عن “الروح المصرية الخالصة”، انتقل إلى موقع الحارس العقائدي الذي يقرأ النص بحثاً عن الانحراف عنها.

حين ارتد الاكتشاف على صاحبه
المفارقة لا تكتمل عند حدود السيرتين المنفصلتين، بل تصل إلى ذروتها في نقطة التقاء متأخرة ومأساوية، فرواية “أولاد حارتنا”، التي مثّلت قمة النضج الرمزي عند محفوظ، أثارت منذ نشرها الجدل حول جرأتها في تناول الذات الإلهية والأنبياء عبر إسقاط رمزي على حارة مصرية، ومع تصاعد الخطاب الإسلامي المتشدد في العقود التالية — وهو خطاب استند في جزء أساسي من بنيته النظرية إلى إرث سيد قطب في تكفير “الجاهلية” الثقافية والمجتمعية — تحوّلت الرواية عند بعض التيارات من عمل أدبي رمزي إلى نص “كافر” يستوجب العقاب.

تُوّجت هذه القراءة المتشددة بمحاولة اغتيال نجيب محفوظ طعناً عام 1994، حين كان في الثامنة والثمانين من عمره، على يد شاب متأثر بفتوى دينية استندت إلى ذلك الموروث الفكري نفسه الذي أرسى قطب أسسه النظرية، وهكذا اكتملت الدائرة: من بشّر بمحفوظ في شبابه وصنع له اسماً في مجلة أدبية، مهّد فكرياً — عبر تلامذته وورثته الأيديولوجيين لا بفعل مباشر منه شخصياً — للخط الذي كاد ينهي حياة محفوظ في شيخوخته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى