أمة الرحمن المطري تكتب: المشروع الإيراني عبر مليشيا الحوثي: انتهاك للسيادة اليمنية وتهديد لحقوق الإنسان والأمن الإقليمي
الأمين العام للشبكة اليمنية للحقوق والحريات
لم تعد العلاقة بين مليشيا الحوثي والنظام الإيراني محل جدل أو تأويل سياسي، بل أصبحت حقيقة تؤكدها الوقائع الميدانية، والتصريحات الرسمية، وأنماط السلوك العسكري والسياسي التي تكشف أن هذه المليشيا تجاوزت منذ زمن طويل حدود الجماعة المحلية، لتتحول إلى ذراع عسكرية تنفذ أجندة خارجية لا تمت لمصالح اليمن بصلة.
لقد أسهم انقلاب مليشيا الحوثي على الدولة اليمنية في سبتمبر 2014 في فتح أخطر مرحلة في تاريخ اليمن الحديث، إذ لم يكن الانقلاب مجرد استيلاء على السلطة بالقوة، بل كان بداية مشروع يستهدف تفكيك الدولة الوطنية وإحلال مشروع أيديولوجي عابر للحدود، يستمد مرجعيته من ولاية الفقيه في إيران، ويعمل على إعادة تشكيل المجتمع اليمني بما يخدم المصالح الإيرانية في المنطقة.
ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت مؤسسات الدولة في مناطق سيطرة المليشيا أدوات لخدمة مشروعها العسكري، فصودرت الإيرادات العامة، وعُطلت مؤسسات القضاء، وأُفرغت الإدارات الحكومية من دورها الوطني، بينما جرى تسخير مقدرات الدولة لتمويل الحرب وإدامة الصراع، في انتهاك صارخ لحقوق ملايين اليمنيين في الخدمات الأساسية والعيش الكريم.
إن أخطر ما أقدمت عليه مليشيا الحوثي لا يتمثل فقط في مصادرة القرار السياسي، وإنما في تحويل اليمن إلى منصة متقدمة لتنفيذ السياسات الإيرانية. فقد أصبحت الأراضي اليمنية، وخاصة المناطق المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، جزءاً من الحسابات العسكرية والإقليمية لطهران، الأمر الذي زج باليمن في صراعات لا علاقة للشعب اليمني بها، وحوّل الممرات البحرية الدولية إلى ساحات تهدد أمن الملاحة العالمية واستقرار التجارة الدولية.
وتكشف الهجمات المتكررة التي تنفذها المليشيا ضد السفن التجارية، واستهدافها للملاحة الدولية، أن القرار العسكري لم يعد قراراً يمنياً، وإنما يخضع لحسابات إيرانية تستخدم اليمن كورقة ضغط في ملفاتها الإقليمية والدولية، وهو ما يمثل انتهاكاً واضحاً لمبادئ القانون الدولي، ويعرض المدنيين ومصالح الدول للخطر.
وفي الداخل، دفعت المحافظات الخاضعة لسيطرة الحوثيين ثمناً باهظاً لهذا الارتهان الخارجي. فقد تدهورت الأوضاع الإنسانية بصورة غير مسبوقة، وانقطعت رواتب مئات الآلاف من الموظفين، وارتفعت معدلات الفقر والجوع، بينما توسعت سياسة الجبايات والإتاوات المفروضة على المواطنين، في ظل غياب أي التزام تجاه أبسط الحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي تكفلها المواثيق الدولية.
كما مارست المليشيا انتهاكات واسعة ضد الحقوق والحريات، شملت الاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، والتعذيب، وتقييد حرية الرأي والتعبير، واستهداف الصحفيين والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان، إضافة إلى تجنيد الأطفال، واستغلال المؤسسات التعليمية والدينية لنشر خطاب الكراهية والطائفية، بما يشكل انتهاكاً جسيماً لاتفاقية حقوق الطفل، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
ولم يقتصر الضرر على الجانب الحقوقي، بل امتد إلى الهوية الوطنية اليمنية نفسها. فقد عملت المليشيا على تكريس خطاب يقوم على الاصطفاء السلالي، وإعادة إنتاج التمييز بين المواطنين، بما يتعارض مع مبدأ المساواة أمام القانون، ويقوض أسس الدولة المدنية التي تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون.
إن المشروع الحوثي، بوصفه امتداداً للمشروع الإيراني، لم يقدم لليمن سوى المزيد من الانقسام والعزلة والانهيار الاقتصادي. فقد تراجعت فرص التنمية، وتقلصت الاستثمارات، وتضررت العلاقات الاقتصادية، وأصبح ملايين اليمنيين رهائن لأزمة إنسانية هي من بين الأسوأ في العالم، بينما تستمر المليشيا في توجيه الموارد نحو تعزيز قدراتها العسكرية بدلاً من معالجة معاناة السكان.
ومن منظور حقوقي، فإن مسؤولية المجتمع الدولي لا تقتصر على إدانة هذه الانتهاكات، بل تمتد إلى اتخاذ إجراءات أكثر فاعلية لحماية المدنيين، وضمان المساءلة وعدم الإفلات من العقاب، ودعم مؤسسات الدولة الشرعية لاستعادة سيادتها، باعتبار أن استمرار سيطرة المليشيا يعني استمرار منظومة الانتهاكات واتساع رقعة المعاناة الإنسانية.
كما أن المنظمات الدولية والحقوقية مطالبة بتوثيق الجرائم والانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين، والعمل على إحالة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة إلى آليات العدالة الدولية، بما يضمن إنصاف الضحايا وحماية حقوقهم.
إن استعادة الدولة اليمنية ليست مطلباً سياسياً فحسب، بل هي ضرورة حقوقية وإنسانية لضمان حماية الحقوق الأساسية للمواطنين، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية، واستعادة سيادة القانون، وإنهاء حالة الفوضى التي فرضتها المليشيا بقوة السلاح.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن استمرار المشروع الحوثي لا يعني سوى استمرار الارتهان للخارج، وتكريس الانقسام، وتعميق المأساة الإنسانية. أما مستقبل اليمن فلا يمكن أن يبنى إلا على دولة وطنية ذات سيادة كاملة، تحتكم إلى الدستور والقانون، وتحترم حقوق الإنسان، وتقوم على مبدأ المواطنة المتساوية بعيداً عن المشاريع الطائفية والتدخلات الخارجية الإيرانية.



