عاطف طلب يكتب : حين يتزيّن الباطل بثوب الحق .. من ينجو من الخديعة؟
في زمن تتشابك فيه الحقائق مع الأهواء، لم يعد الباطل يظهر بوجهه القبيح كما كان، بل بات أكثر دهاءً، يرتدي ثوب الحق ويتحدث بلسانه، فيختلط الأمر على العقول وتضيع البوصلة لدى الكثيرين. إنها مرحلة دقيقة تختبر وعي الإنسان قبل إيمانه، وتكشف معادن النفوس بين من يبحث عن الحقيقة ومن يكتفي بالمظاهر.
لم يعد الصراع اليوم بين حقٍ واضح وباطلٍ مكشوف، بل أصبح بين حقٍ مُلتبس وباطلٍ مُتزيّن. فالباطل لم يعد يرفع شعاراته الصريحة، بل تعلّم كيف يتخفّى خلف كلمات براقة وشعارات جذابة، حتى يمرّ دون مقاومة، بل ويحصد التأييد أحيانًا.
حين يرتدي الباطل ثوب الحق، يصبح أخطر من ذاته، لأنه لا يواجهك كعدو، بل يتسلل إليك كصديق. هنا تكمن المأساة؛ أن يُخدع الإنسان وهو يظن أنه على صواب، وأن يدافع عن الزيف معتقدًا أنه ينصر الحقيقة.
والأخطر من ذلك، أن هذا التزييف لا يقتصر على الأفراد، بل يمتد إلى الأفكار والمجتمعات، حيث تُقلب المفاهيم، فيُصبح الانحراف حرية، والتفريط تسامحًا، والسكوت حكمة، والضعف إنسانية زائفة. عندها، تضيع المعايير ويُقاس كل شيء بمكيال المصلحة لا الحقيقة.
لكن، ورغم هذا الضباب الكثيف، تبقى الحقيقة لا تموت، وإن غابت. فثوب الحق الذي يرتديه الباطل سرعان ما يسقط، لأن الزيف لا يملك جذورًا، ولأن النور مهما حُجب لا ينطفئ. هنا يأتي دور الوعي، ذلك السلاح الصامت الذي يفرّق بين الأصل والتقليد، بين الجوهر والمظهر.
إن ما بعد هذه المرحلة لا يُبنى على الانخداع، بل على الفرز؛ فرز العقول، وفرز القيم، وفرز المواقف. فإما أن نكون ممن يُحسنون التمييز، أو نُصبح جزءًا من المشهد المزيف دون أن ندري.
في النهاية، ليست المشكلة أن يرتدي الباطل ثوب الحق، بل أن نُصدق نحن هذا الثوب دون أن نُمعن النظر فيما تحته.
المعركة الحقيقية اليوم ليست بين الحق والباطل فقط، بل بين الوعي والغفلة… ومن يملك الوعي، لا يخدعه أي ثوب مهما كان بريقه.



