صابر عبد الحميد زيان… قيادةٌ إذا حضرت اطمأنَّت إليها المؤسسات•

🌐متابعة/ أحمد البشلاوي:
ليس من العدل أن يُعرَّف الرجال بمناصبهم؛ فالمناصب عوارضُ زمن، أما الرجال فجوهرٌ يبقى. وما أكثر من جلسوا على مقاعد القيادة، ثم انقضت أيامهم فلم يتركوا وراءهم إلا أسماءً في سجلات، وما أقل أولئك الذين إذا مر ذكرهم مرَّ معه معنى القيادة، وهيبة المسؤولية، وصدق الرسالة.
ومن هذا الطراز يبرز الأستاذ صابر عبد الحميد زيان، ابن محافظة قنا، الذي لم يحمل إلى المنيا لقبًا إداريًا فحسب، بل حمل إليها عقلًا يعرف مواضع القانون، وبصيرةً تفرق بين ظاهر النص وروحه، وإيمانًا بأن التربية لا تُدار بالأوامر، وإنما تُدار بالقدوة، والمتابعة، وعدالة القرار.
هو رجلٌ إذا تحدث في اللوائح حسبه السامع أحد واضعيها، وإذا ناقش القرارات الوزارية أيقن الحاضر أنه لا يحفظ ألفاظها فحسب، بل يدرك حكمتها وغاياتها. فلا يخلط بين الحزم والتعسف، ولا بين اللين والتفريط، لأن ميزانه الدائم هو الحق، وغايته الدائمة هي مصلحة العمل.
ولقد آمن أن الإدارة ليست مكتبًا يُغلق بابه، وإنما ميدانٌ تُفتح فيه الأبواب. لذلك لم يعرف الناس عنه انقطاعًا عن الإدارات التعليمية، ولا اكتفاءً بالتقارير المكتوبة، بل جعل من وجوده بين العاملين منهجًا، يتابع، ويستمع، ويصحح، ويذلل العقبات، حتى غدت جولاته اليومية مدرسةً في الإدارة قبل أن تكون جولاتٍ في المتابعة.
فهو مع مديري الإدارات ليس رئيسًا يفرض هيبته بالسلطان، وإنما أخٌ يشاركهم الرأي، وأبٌ يفتح لهم صدره قبل مكتبه، ومعلمٌ يصوب القرار إذا زاغ، ويثبت الصواب إذا استقام، حتى أصبحت اجتماعاته ورش عمل تُصنع فيها الحلول، لا مجالس تُلقى فيها التعليمات.
ومن ينظر إلى ما تحقق في عهده يدرك أن الإنجاز لا يولد من المصادفة، وإنما من رؤية تعرف كيف تجمع المؤسسات حول هدف واحد. ففي شراكة رائدة مع شركة مياه الشرب والصرف الصحي بالمنيا، تحولت فكرة ترشيد استهلاك المياه إلى مشروع تربوي متكامل، يجوب أربعمائة مدرسة في الإدارات التعليمية التسع، ويستهدف أكثر من ستمائة ألف طالب، مع تركيب أربعة آلاف وخمسمائة قطعة موفرة للمياه، وتنفيذ برامج توعوية وأنشطة صيفية، ليصبح الحفاظ على الماء ثقافةً، والوعي البيئي سلوكًا، والمسؤولية الوطنية خلقًا ينشأ عليه الأبناء.
ولم يكن ذلك إلا امتدادًا لمسيرة آمن فيها بأن المدرسة ليست مكانًا لتلقين الدروس وحدها، بل مصنعٌ لبناء الإنسان. ومن هنا جاءت مبادرات تدريب المعلمين، وإعداد أكثر من ألف وثلاثمائة معلم سفراء للتوعية، وتنفيذ المبادرات الصحية، وغرس مفاهيم النظافة، والمحافظة على البيئة، حتى أصبح التعليم عنده بناءً للعقل، وصيانةً للجسد، وتهذيبًا للوجدان.
ثم جاءت امتحانات الثانوية العامة لتكشف وجهًا آخر من وجوه القيادة؛ فوقف على رأس غرفة العمليات، لا يكتفي بالمتابعة، بل يقودها بعينٍ لا تنام، ويقظةٍ لا تعرف التهاون، مؤمنًا بأن العدالة بين الطلاب ليست شعارًا يُرفع، وإنما مسؤولية تُؤدى. فشدد على مكافحة الغش بكل صوره، وأحكم إجراءات التأمين، وأرسى الانضباط داخل اللجان، حتى يؤدي كل طالب امتحانه في مناخ يسوده الهدوء، وتصان فيه كرامة العلم وهيبة الدولة.
وفي الوقت ذاته، كان يولي التعليم الخاص ما يستحقه من عناية، فجمع لجانه، وراجع ملفاته، وأكد أن القانون هو السيد، وأن الجودة ليست رفاهية، وإنما حق لكل طالب، وأن المدارس، على اختلاف أنواعها، إنما تؤدي رسالة واحدة، هي صناعة أجيال تحمل الوطن في عقولها قبل أن تحمله على أكتافها.
ولعل أعظم ما يميز هذا الرجل أنه لم يجعل من المنصب سورًا بينه وبين الناس، بل جعله جسرًا يصل به إلى الناس. فلا يُعرف عنه ردُّ صاحب حاجة، ولا إغلاق باب في وجه مظلوم، ولا تضجر من طالب رأي أو مشورة؛ لأنه أدرك أن المسؤولية ليست امتلاك سلطة، وإنما حسن استعمالها، وأن القائد الحق هو الذي يترك في القلوب من المحبة أكثر مما يترك في المكاتب من القرارات.
لقد ربحت المنيا بقيادة الأستاذ صابر عبد الحميد زيان رجلًا أضاف إلى المنصب قيمة، ولم يستمد قيمته من المنصب؛ رجلًا كتب اسمه بالعمل قبل أن تكتبه القرارات، وبالعدل قبل أن ترفعه الألقاب، وبالإخلاص قبل أن تصنع له المناصب مكانة.
وهكذا يكون الرجال… لا تصنعهم الكراسي، بل يصنعون هم للكراسي هيبتها، ويمنحون المؤسسات روحها، ويتركون في صفحات الزمن سيرةً تقول للأجيال: إن القيادة ليست أن تتقدم الناس، وإنما أن تحمل عنهم الأعباء، وتضيء لهم الطريق، وتغرس فيهم الأمل، ثم تمضي وقد تركت وطنك أصلح مما وجدته.



