مني النمر تكتب: أخلاق للبيع …!!

عندما عُرض فيلم “أرض النفاق” قبل عشرات السنين، ضحك الناس على فكرة الرجل الذي يشتري الأخلاق من عند عطار من مكان بعيد عن العمران . كان الأمر يبدو خيالا ساخرا لا أكثر . فكيف يمكن للإنسان أن يشتري الصدق أو الأمانة أو الشهامة في زجاجة ؟

و اليوم أصبحنا نبحث عن هذا الدكان لعلنا نشتري بعض الاخلاق …

كثير من المصريين يشعرون أن شيئا ما تغير في الشارع. ليس في المباني ولا في الطرق ، بل في طريقة تعامل الناس مع بعضهم البعض. أصبحت الأنانية ، المجاهرة بالخطأ ، تتبع عورات و خصوصيات البشر ، اللامبالاة ،البلطجة…و غيرها كثير ، ظواهر غريبة عن مجتمعنا ، في حين تراجعت قيم كانت يوما جزءاً أصيلا من الشخصية المصرية مثل الشهامة والتكافل واحترام الكبير ومراعاة الجار.

والسؤال هنا …
ماذا حدث ؟!!
هل تغيرت أخلاق الناس فجأة ؟!!
بالتأكيد لا …

فالأخلاق لا تنهار في يوم وليلة، وإنما تتأثر بتراكمات طويلة من الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية.
لا يمكن إنكار أن الضغوط المعيشية التي عاشها المجتمع خلال السنوات الأخيرة تركت أثراً عميقاً على الناس. فحين ينشغل الإنسان بتأمين احتياجاته الأساسية، وحين تصبح الحياة أكثر صعوبة يوما بعد يوم، قد تتغير أولوياته .
لكن الفقر وحده لا يصنع أزمة أخلاق.
فالتاريخ مليء بشعوب عاشت ظروفا قاسية وظلت متمسكة بقيمها.
لذلك فإن المشكلة أعمق من مجرد ضائقة اقتصادية، لأنها ترتبط أيضا بما يتعلمه الإنسان، وما يراه كل يوم، وما يقدم له باعتباره النموذج الذي يستحق الإعجاب و التقليد .

أرى أن هناك أكثر من جانب وراء هذا التحول في الشخصيه المصرية …
أولها التعليم …
نبدءها بالاسم ” وزارة التربية والتعليم”، لم تكن هنا كلمة التربية مجرد إضافة شكلية. بل كانت المدرسة شريكا للأسرة في بناء الإنسان قبل تعليمه.

أما اليوم، فقد أصبح كثير من الطلاب ينظرون إلى المدرسة باعتبارها مكان للحصول على الشهادة فقط، بغض النظر عن الوسيلة. فانتشرت ثقافة الغش عند البعض حتى أصبحت تمارس أحيانا دون شعور بالخجل، بل أصبحت فرضاً مفروضا ، ناهيك عن تراجع مكانة المعلم و احترامة سواء من المجتمع أو الدولة ،” و كيف لفاقد الشيء أن يعطيه ” ؟!!
ثم نأتي إلى الإعلام والدراما والفن.

فالفن ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل أحد أهم أدوات تشكيل الوعي. أجيال كاملة تعلمت من أعمال فنية قديمة معنى الشهامة والرجولة والاحترام وتحمل المسؤولية. أما اليوم، فالمشاهد الساخنة ، و العنيفة وألفاظ البلطجة وثقافة الثراء السريع وتجارة المخدرات أصبحت حاضرة بكثافة في معظم الأعمال، حتى بدا أحيانا أن أكثر الشخصيات فسادا هي الأكثر سعادة و احتراما في المجتمع.

ودائما ما يكون التبرير جاهز … “نحن ننقل الواقع” ، أم سياسة فرض واقع … !!
فعلى العكس تماماً ،نجد الواقع المصري مليء بالنماذج المشرفة والناجحة والشريفة التي تكافح كل يوم من أجل لقمة العيش وتربية أبنائها والحفاظ على قيمها. فلماذا لا نرى هذه النماذج بالقدر نفسه …؟ ولماذا يُختزل مجتمع كامل في قلة قليلة و التي تمثل أسوأ ما فيه؟

و مازلنا على طريق تعمد تجريف هوية و اخلاق الشخصية المصرية ،
و الذي لا يقل خطورة عن سابقِه ، بل موازياً لهم …
ما يتعلق بكرامة الإنسان و تهميشه داخل مجتمعه.

فالإنسان الذي يشعر أن له قيمة في بلده، وأن حقوقه محفوظة، وأن جهده مقدر، يصبح أكثر تمسكا بمجتمعه وأكثر استعدادا للدفاع عنه. أما حين يشعر الإنسان بالإهانة أو التهميش أو أنه أقل قيمة من غيره، فإن شرخا خطيرا يبدأ في التكون داخله .
والمشكلة الأكبر حين يشعر أنه مواطن من الدرجة الثانية او الثالثة ، أو ليس ذات أولوية ،الخ …، أو حين يحظى غيره بمعاملة أفضل أو فرص أكبر لمجرد أنه ينتمي إلى جنسية أخرى أو أنه مثلاً يملك نفوذا أو مالاً . فهذه المشاعر، سواء كانت حقيقية أو مبالغ فيها، تترك أثراً بالغ الخطورة على الإنتماء والثقة بالمجتمع .

ببساطة المواطن الذي لا يشعر بكرامته في بلده، لن يجدها خارجه. والذي يفقد إحساسه بالعدالة والاحترام، قد يفقد تدريجيا إحساسه بالانتماء .

..
وعندما يصل الإنسان إلى هذه المرحلة، يصبح ناقما على مجتمعه بدلا من أن يكون شريكا في بنائه .
ولهذا … فإن بناء الأخلاق لا يبدأ فقط بالمطالبة بالسلوك الحسن، بل يبدأ ببناء إنسان يشعر بقيمته وكرامته منذ طفولته. يبدأ من أسرة تربي، ومدرسة تغرس القيم قبل المعلومات، وإعلام يقدم نماذج تستحق الاحترام، ومجتمع يربط المكانة بالأخلاق والعمل لا بالمال وحده …

فالأخلاق ليست درسا يُحفظ، ولا شعارا يُرفع، بل هي نتيجة منظومة كاملة من التربية والعدل والاحترام والقدوة.
ولهذا فإن الحديث عن استعادة أخلاق الشارع المصري لا يجب أن يكون حديثا من الماضي ، بل عن المستقبل .
عن الأسرة، والتعليم، والإعلام، والعدالة، والكرامة الإنسانية.

فالأمم لا تنهض بالاقتصاد وحده، ولا بالمباني وحدها، ولا بالمشروعات وحدها. الأمم تنهض حين يشعر الإنسان أنه محترم، وأن له قيمة، وأن جهده له معنى ، و أن معاناته لها نهاية .

عندها فقط لن نحتاج إلى شراء الأخلاق من عند العطار .

لأن الأخلاق ستكون موجودة في البيوت، وفي المدارس، وفي الشوارع، وفي الضمير .
هذا هو الاستثمار الحقيقي الذي لا ينهار، ولا يفقد قيمته مهما تغيرت الأحوال …

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى