مني النمر تكتب: وسقطت ورقة التوت
لم تعد الحرب في الشرق الأوسط مجرد مواجهة عسكرية فقط ، بل أصبحت جزء من معركة أكبر لإعادة رسم شكل المنطقة، وتحديد من يملك القرار فيها لعقود قادمة . وما يحدث اليوم بين “أمريكا -إسرائيل” وإيران، بالتزامن مع التحركات الأمريكية المكثفة، يكشف أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة، لم تعد فيها التحالفات القديمة كافية لفهم ما يجري.
فالضربات المتبادلة، والتصعيد المفاجئ، ثم العودة إلى طاولة التفاوض، كلها لا تبدو أحداثا منفصلة، بل حلقات داخل مشهد أكثر تعقيدا. فبينما تتحدث الولايات المتحدة عن احتواء التصعيد ومنع الانفجار الشامل، تتحرك في الوقت نفسه لترتيب شبكة تحالفات جديدة يكون فيها الأمن والطاقة والسياسة تحت مظلة واحدة تقودها واشنطن وحلفاؤها ” اسرائيل”.
ومن هنا تعود اتفاقيات إبراهام إلى الواجهة، ليس باعتبارها مجرد اتفاقات تطبيع تقليدية، بل كمشروع سياسي وأمني واسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق توازنات جديدة، تُمنح فيها إسرائيل دورا يتجاوز فكرة “الدولة الحليفة” إلى موقع الشريك الرئيسي في إدارة التوازنات الإقليمية.
وأن كل ما كان يُقدم سابقا باعتباره “سلاما اقتصاديا” أو “تعاونا إقليميا”، بدأ يكشف وجها آخر أكثر صراحة. فمع كل جولة تصعيد، يظهر كم أن المنطقة تُدفع دفعا نحو خيار واحد … إما الانضمام إلى المنظومة الجديدة ” اتفاق ابراهام” ، أو البقاء تحت ضغط دائم سياسيا واقتصاديا وأمنيا …
و كان ذلك جلياً عبر تصريح دونالد ترامب ” أطلب بشكل إلزامي من جميع الدول التوقيع فورا على اتفاقيات أبراهام
“وهنا سقطت ورقة التوت” …
لأن الحديث لم يعد فقط عن اتفاقات سياسية أو علاقات دبلوماسية، بل عن إعادة تعريف من يقود المنطقة، ومن يملك حق رسم خرائط النفوذ فيها. وهو ما يفسر حالة التردد أو الرفض التي أبدتها قوى إقليمية كبرى مثل السعودية وتركيا ومصر وقطر، وحتى باكستان، التي تدرك أن المسألة لم تعد مجرد اتفاق سياسي، بل ترتبط بتوازنات أعمق تتعلق بالسيادة والنفوذ بل بمستقبل المنطقة بالكامل. وفي قلب هذا المشهد يقف دونالد ترامب، الذي يرى في توسيع اتفاقيات إبراهام إنجازا سياسيا واستراتيجيا ضخما، يمكن أن يعيد تثبيت النفوذ الأمريكي في منطقة بدأت تتجه تدريجيا نحو تعدد الأقطاب، مع الصعود القوي للصين وروسيا.
و على الطرف الآخر بنيامين نتنياهو، و الذي يقاتل على أكثر من جبهة؛ جبهة الحرب، وجبهة الداخل الإسرائيلي، وجبهة مستقبله السياسي نفسه. ولذلك، فإن استمرار التوتر قد يمنحه فرصة للهروب من أزماته الداخلية، عبر تصدير صورة “القائد الذي يواجه الخطر الإيراني”، حتى وإن كان الثمن مزيدا من الدماء والتوتر في المنطقة بأكملها.
و هنا …
هل يمكن لترامب أن يذهب بعيدا إلى هذا الحد في دعم نتنياهو و إسرائيل، حتى لو كان الثمن إشعال المنطقة بالكامل و خسارة مكانة الولايات المتحدة في المنطقة و العالم ؟
الواقع يقول إن واشنطن تدرك جيدا أن أي حرب واسعة ستكون كارثية على الجميع، اقتصاديا وعسكريا وحتى انتخابيا داخل الولايات المتحدة .
ومع ذلك …
ربما يكون من المبكر الجزم بأن ما يحدث الآن هو بداية حرب شاملة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بالكامل، فقد يكون هذا التصعيد مجرد ورقة ضغط كبرى تُستخدم لابتزاز المنطقة سياسيا واقتصاديا.
فالتلويح بالحرب، وإبقاء المنطقة على حافة الانفجار، قد يكون هدفه دفع دول مثل السعودية وقطر وتركيا ومصر وباكستان نحو تقديم تنازلات أكبر، سواء في ملفات التحالفات أو الاقتصاد أو القبول بترتيبات سياسية جديدة تحت الضغط والخوف من اتساع دائرة الفوضى.
وهنا يصبح التصعيد مع إيران أداة ضغط أكثر منه مجرد مواجهة عسكرية … فكلما ارتفع منسوب التوتر، زادت قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على إعادة توجيه المنطقة، و الحصول على مكاسب سياسية وأمنية واقتصادية أكبر .
وبالتوازي قد يكون ما يحدث نتيجة هذه السياسات الغير متزنة هى نفسها بداية النهاية لمرحلة الهيمنة الأمريكية المنفردة على الشرق الأوسط. فالعالم يتغير بسرعة، ومراكز القوة لم تعد محصورة في قطب واحد كما كان الحال بعد سقوط الاتحاد السوفيتي. خاصة مع صعود الصين وروسيا، بدأت دول كثيرة تبحث عن توازنات جديدة، بعيدا عن منطق السيطرة المطلقة والتحكم الأحادي …
ولهذا، قد يتحول الضغط المبالغ فيه على دول المنطقة إلى نتيجة عكسية تماما، تدفعها إلى مزيد من التقارب والتحرر من الهيمنة التقليدية، بدلا من إخضاعها بالكامل.
فهل تنجح الولايات المتحدة في فرض رؤيتها الجديدة للشرق الأوسط؟
أم أن رفض القوى الإقليمية الكبرى سيُفشل المشروع، فقد علمنا التاريخ إن القرارات التي تُفرض بالقوة لا تصنع استقرارا حقيقيا، بل تصنع رفضا أكبر . فالشعوب والدول قد تختلف فيما بينها، وقد تتصارع أحيانا، لكنها حين تشعر أن هناك محاولة لفرض إرادة خارجية عليها، فإنها تميل بشكل طبيعي إلى إعادة التماسك والبحث عن تحالفات جديدة لحماية مصالحها.
ولهذا، قد تكون الضغوط المتزايدة ومحاولات فرض واقع سياسي جديد على المنطقة نتيجة عكسية تماما لما تريده الولايات المتحدة.
وربما تكون المفارقة الأكبر، أن محاولات فرض السيطرة الكاملة على الشرق الأوسط، قد تصبح هي نفسها السبب في نهاية مرحلة الهيمنة الأمريكية التي استمرت لعقود طويلة …



