شيركو حبيب يكتب: إلى أين يسير العراق؟!

منذ أول انتخابات برلمانية في العراق أواخر العام 2005 ، والبلد في دوامة و خلافات متكررة حول تشكيل الحكومة والمصالح الإثنية المتعارضة، فالمناصب عند كثيرين أهم من مصلحة الشعب، والمصالح الشخصية أكبر وأهم من النظر إلى حال المواطن الذي يعاني منذ زمن الحكم البائد.

 

والعراق اليوم، رغم كل معاناته، لا يجد منتميا حقيقيا إليه، حتى بات مواطنوه رغم كل ذلك لا يتحسرون على الماضي المؤلم، وإن تواجد بين شعوبه من يتطلعون إلى غد أفضل، ويرغبون في تجاوز الساسة كافة الخلافات، وابتعاد القوى الإقليمية والدولية عن شؤون البلد الداخلية.

 

لقد كتب للعراقيين أن يعيشوا في دوامة الخلافات و المشاكل، وهذا قدرهم الذي رسمه لهم آخرون يمتلكون السلطة والثروة ويتلاعبون بمقادير الأمور، ويقدرون على استخدام الفزاعات في أوقات يبحث فيها الناس عن أطواق النجاة.

 

كان لي صديق منذ الثمانينات، وقد تجاوز عمره السبعين عاما، يقول لي : “إن العراق لن يستقر إلى يوم الدين لأن الشيطان الملعون في البصرة و سيظهر في نهاية الدنيا، ونحن العراقيين لدينا قول بعد خراب البصرة سيخرج الشيطان من العراق”.

 

ولا أدري صراحة، هل كان صديقي يمازحني أم كان مؤمنا بما يقول، أم أنه أراد تنفيذ إسقاط سياسي لكلماته هذه على واقع البلد الحزين؟.

 

فالعراق بعد الحروب و الاقتتال و الاحتلال لم يتنفس شعبه نسيم الحرية، واليوم تقف الطائفية والمذهبية و التدخلات الخارجية حاجزا أمام حرية الشعب، حتى الأحزاب السياسية وقادتها، والتي يفترض فيها احترام نتائج الانتخابات، لا تعترف بأبسط قواعد الديمقراطية وآلياتها، وتعتبر دخول العراق في محنة متكررة بعد كل استحقاق هوايتها التي تتلذذ بها.

 

في هذه الظروف المعقدة، نجد أنفسنا أمام عراق لم نكن نتمناه، وواقع نعرف أسبابه ولا يحمد عقباه، تارة نواجه التهديدات الأمريكية وتارة أخرى الأعمال العسكرية للمليشيات التي تحرك ضد دول الجوار، او كوردستان والكل يريد أن يلقى بالشعب العراقي إلى التهلكة.

 

سياسيا، تتجمد الأمور ولا تفلح الاجتماعات والحوارات، وفي حالة تعذر أو تأخر الكتلة الأكثر عدداً في ترشيح رئيس وزراء جديد، يصبح رئيس الجمهورية أمام أزمة دستورية تستوجب تدخل المحكمة الاتحادية العليا لتفسير النص، حيث لا يوجد نص صريح يعالج هذا التأخير مباشرة، ولا يوجد نص دستوري في حالة إخفاق الكتلة الأكبر في تسمية شخص ما لتولي مهمة تشكيل الحكومة خلال المدة الدستورية وهي لا تزيد عن 15 يوما.

 

في هذه الحالة، على رئيس الجمهورية، باعتباره حامياً للدستور، تكليف مرشح آخر، أو اللجوء للمحكمة الاتحادية لتحديد مسار بديل، وحتما سيكون الخيار الثاني.

 

فحسب المادة 76 من الدستور العراقي، يكلف رئيس الجمهورية، مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً، بتشكيل مجلس الوزراء، خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية.

ويتم اللجوء إلى التوافق السياسي بين القوى الفائزة، أو قد يفرض الواقع السياسي إعادة تشكيل كتلة برلمانية جديدة لتصبح هي الأكثر عدداً وتتولى الترشيح.

 

و في حالة عرض الموضوع على المحكمة الاتحادية هل تقوم المحكمة بمراجعة سجلاتها و حسم الموضوع على قرارات سابقة صدرت حوله مثلا؟.

 

لقد أكدت المحكمة في قرار سابق أن العطلات الرسمية لا تُحتسب ضمن مدة الـ (15) يوماً المحددة للمدد الدستورية (مثل تكليف رئيس الوزراء) إذا صادفت خلال أيام المدة، ولكن إذا صادف اليوم الأخير من المدة عطلة رسمية، فيمتد الأجل إلى أول يوم عمل يليها.

 

وبحسب خبراء قانونيين فإن الدستور العراقي لم يحسم هذه المسألة، ما قد يدفع رئيس الجمهورية إلى اللجوء للمحكمة الاتحادية العليا أو العودة لمجلس النواب لإيجاد مخرج للأزمة، تجنباً لدخول البلاد إلى حالة فراغ دستوري جديد، وفي حال عدم التوصل إلى اتفاق على شخصية لتولي المنصب، تدخل البلاد في حالة تشبه ما ذهبت إليها عقب انتخابات أكتوبر 2021،

 

هنا تحضر الرؤية الثاقبة للزعيم الكوردي مسعود بارزاني، الذي أكد خلال تناول مسألة الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية أن يكون تقديم واختيار مرشح رئاسة الجمهورية ومرشح رئاسة مجلس الوزراء معا، لكن البعض أنكروا عليه ذكاءه وفطنته ودفعوا نحو انتخاب رئيس الجمهورية لأسباب معروفة و تدخلات من بعض الأطراف التي لا علاقة لها بترشيح رئيس الجمهورية.

 

من هنا يمكن للمواطن العراقي أن يسأل: لماذا تدخل هؤلاء في اختيار رئيس الجمهورية و الآن لا صوت لهم في ترشيح شخصية لمنصب رئيس الوزراء؟ ، أظن الإجابة : لأن صوتهم غير مسموع و لا مقبول، وربما النتيجة الطبيعية لغبائهم السياسي أن تتم الدعوة لانتخابات مبكرة في العراق في حالة عدم التوافق، والأيام المقبلة ستقدم الإجابات حول هذا الأمر.

 

لو أن بلدا بحجم وقيمة وثروة العراق تتوافر فيه الإرادة السياسية الجامعة نحو خدمة شعبه، لكانت مكانته مختلفة في مصاف الدول المتقدمة، لكن غاية مواطنيه الأسمى بعد نحو ربع قرن من زوال النظام السابق، أن يتوافق الساسة على رأي يبتغون به وجه الوطن وحق المواطن الذي لا يعرف إلى أين يسير هؤلاء بالعراق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى