مني النمر تكتب: مصر بين الضيافة والاحتقان …
تغيرت الشوارع ، تغيرت الوجوه ، تغيرت اللهجات ، وتغيرت معها التفاصيل الصغيرة التي تصنع إحساس الإنسان بوطنه …
و كأن مصر في السنوات الأخيرة فقدت جزءا كبيرا من ملامحها القديمة رغماً عنها و دون موافقة أحد .
نحن شعب اعتاد أن يكون مضيافا ، يفتح بابه للغريب قبل القريب ، نحمل في داخلنا تلك الشهامة التي تجعل أي قادم يشعر بأنه أصبح بين أهله . ولكن في لحظة ما ، وبهدوء يشبه الزحف البطيء ، تحولت الضيافة إلى عبء ، وتحولت الإنسانية إلى صراع غير معلن عن الهوية والانتماء والحق في العيش …
لم تدخل الأعداد الكبيرة إلى مصر دفعة واحدة ، بل جاءت كقطرات متتالية على سنوات طويلة ، حتى تحولت إلى سيل قد يأخذ معه الاخضر و اليابس .
بعضهم تم استقدامه في فترة حكم الإخوان ، و بعضهم دخل من الحدود بطرق غير شرعية ، او بفيزا سياحة ، و انتهى الأمر بإقامة غير رسمية ، وبعضهم لم يدخل وحده ، بل جاء بامتيازات تمنحه شقة أو إقامة أو حقا يفوق ما يحصل عليه المواطن الذي ولد في هذا البلد .
وفجأة ، أصبح في مصر مناطق كاملة تشبه دمشق أو الخرطوم أكثر مما تشبه القاهرة أو الإسكندرية … محلات تحمل لهجات غير مصرية ، لافتات بلهجات أخرى ، مدارس امتلأت بأطفال لا يتحدثون لهجة البلد ، وشقق ارتفعت أسعارها إلى أرقام خيالية لم يعد الشاب المصري يحلم حتى بالاقتراب منها .
لم تكن المشكلة في الوجود نفسه ، بل في الطريقة التي حدث بها الأمر .
سياسة الأمر الواقع …
كل شيء فرض نفسه بالقوة ، وكأن المصري عليه أن يتأقلم ، أن يصمت ، أن يتحمل ، بينما يتوسع آخرون في العمل والتجارة والمشروعات ويعيشون في أحياء كاملة ككتل منفصلة لا تراعي خصوصية أهل المكان …
ومع الوقت ، بدأت تظهر مشاعر دفينة لم نتوقع يوما أن نعيشها …
احتقان حقيقي ، شعور بالضغط ، إحساس بأن المواطن أصبح ضيفا في بلده بينما الضيف أصبح صاحب المطعم ، وصاحب الشقة ، وصاحب القرار في بعض الأحيان ” كما حدث في واقعة مقصف مدرسة الغردقة ” .
ارتفعت أسعار الإيجارات بشكل جنوني ، ليس بسبب الاقتصاد فقط ، بل لأن الطلب تضاعف ، ولأن بعض الوافدين يدفعون دون تفاوض و بأضعاف أضعاف الاسعار المتعارف عليها ، فيرتفع السعر على الجميع ، وتقف الأسرة المصرية عاجزة …
حتى أسعار الخدمات والسلع ارتفعت ، ليس لطمع التاجر فقط ، بل لأن سوقا جديدا دخل ، مستهلك جديد ، وثقافة شراء مختلفة فرضت نفسها على السوق …
كل ذلك خلق طبقة من الضيق لا يمكن تجاهلها …
وفي وسط كل هذا ، كان هناك مشهد يتكرر …
مصري يشعر أنه يتراجع بينما غيره يتقدم ، مصري ينتظر دوره بينما آخر يتجاوز الصف ، مصري يدفع الضرائب كاملة بينما غيره يعيش بلا أوراق ، بلا التزامات ، وربما يحصل على امتيازات لا يحصل عليها المواطن نفسه …
المشكلة كانت في الطريقة التي تم بها دمج الجميع داخل بلد ليست مستعدة ، اقتصاديا ولا اجتماعيا، لاستقبال هذا الكم في هذا الوقت …
ما يحدث في مصر اليوم ليس كراهية ولا عنصرية ، بل صرخة مكتومة تقول: «نحن نتغير …
ولكننا لا نفهم كيف ولماذا» …
و لا أحد يملك تفسيرا واضحا لما يجري .
كل ما يراه المواطن أمام عينيه هو ضغط ، وخوف من الغد ، وشعور بأن الهوية تتغير .
و جم ما يطلبه المصري ببساطة هو أن يشعر بأن وطنه ما زال له، وأن حقوقه ليست آخر القائمة، وأن استضافته للآخرين لن تكون على حساب لقمة عيشه، ولا على حساب مستقبله، ولا على حساب هويته ووجوده.
مصر ستبقى دائما بلد مفتوحا، لكن الانفتاح لابد أن يكون منظم، و عادل، يحمي الضيف ويصون حق صاحب البيت. لأن الوطن حين يختل توازنه، لا ينهار فجأة ، بل يتآكل بصمت …
ومع تزايد هذا المشهد المركب ، بدأت تظهر في الشارع المصري مخاوف أخرى ، لا تتعلق فقط بالاقتصاد أو السكن ، بل بما هو أبعد وأعمق …
بأن هذا النزوح الكبير لم يكن عشوائيا تماما ، وأن هناك جهات ، ودول كانت دائما على خصومة مع الدولة ، رأت في موجات اللجوء فرصة لاختراق النسيج الاجتماعي المصري ، وإعادة تشكيله من الداخل …
عن طريق تمويلات خارجية تدعم بقاء بعض الجنسيات داخل مصر تحديدا ، لا لشيء إلا لإرباك الهوية ، ولخلق كتلة سكانية كبيرة يصعب دمجها أو ضبطها إذا جاء وقت المواجهة أو التحديات الأمنية .
فمصر التي يصعب اختراقها عسكريا بسبب قوة جيشها واستعدادها الدائم ، قد يحاول البعض إضعافها من الداخل ، كما حدث في دول أخرى تم تقسيمها وسحب استقرارها عبر زرع اختلافات عرقية وطائفية بداخلها …
وهي فكرة مُقلقة ، حتى لو لم يكن أحد قادرا على إثباتها بشكل كامل .
يكفي أنها موجودة ، تكفي لتشعر المواطن بأن تحولا ما يُ…



