مني النمر تكتب: بين المُرّ والأمرّ … اخترنا مصر …

اليوم و مع اقتراب الوصول الى إتفاق إنهاء الحرب بين” إيران و الولايات المتحده – اسرائيل” ، أصبح جليا صحه رؤيه مصر في عدم الانجرار الى حرب كان المراد منها تدمير و إنهاك مصر و دول المنطقة في حرب استنزافية لا تبقي و لا تذر ، أى من دول المنطقة ما عدا إسرائيل …
ففي بعض اللحظات…

لا يكون أمامك اختيار صحيح، بل يكون أمامك اختيار أقل ضررا …
وهذه واحدة من تلك اللحظات .
لسنا مع إيران … ولا ضدها، لكننا مع شيء واحد لا يقبل المساومة …
ما يحفظ الأمن القومي المصري …
في منطقة تتغير ملامحها بسرعة،
لم يعد هناك رفاهية الاختيارات المثالية،
بل أصبحنا أمام خيارات صعبة…
وأحياناً مُرة …

و الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها،أن توازن القوى في الشرق الأوسط لم يعد كما كان . فبعد ما جرى في العراق، وما حدث في سوريا، لم يتبق في المنطقة سوى ثلاث قوى رئيسية قادرة على إحداث هذا التوازن …
مصر … إيران… وتركيا .
مثلث بالغ الأهمية،

وجوده يمنع هيمنة طرف واحد على المنطقة، ويمنع اختلال ميزان القوى بشكل كامل .في حين نجد إسرائيل تقف كقوة تسعى إلى توسيع نفوذها، مستفيدة من أي فراغ أو انهيار .
ومن هنا، فإن كسر إيران أو تفتيتها في هذا التوقيت، لا يمكن قراءته فقط كحدث منفصل، بل كجزء من معادلة أكبر …
معادلة قد تؤدي إلى استباحة المنطقة ،
وفتح الباب أمام ضغوط غير مسبوقة على مصر و دول الخليج، و تركيا أيضا …
حيث يصبح الحفاظ على توازن القوى في المنطقة، أولوية لا يمكن تجاهلها. لأن اختلال هذا التوازن، لا يعني فقط تغييرا سياسيا، بل قد يعني تهديدا وجوديا …
لهذا لا نستغرب بأن يصبح عدو الأمس هو حليف اليوم …
و ما يلفت الانتباه،

ليس فقط الموقف الرسمي للدولة ، بل وعي الشعب المصري نفسه …
هذا الشعب، الذي قد يختلف في كثير من القضايا، لكنه حين يتعلق الأمر بوطنه،
يدرك جيدا أين يقف.
ليس حبا في هذا الطرف أو ذاك، بل إدراكا لما يحمي أمن و إستقرار بلده …
نحن لا ننسى …
لا ننسى ما فعلته تركيا في مصر خلال فترة حكم الإخوان،
ولا ننسى ما ارتبط بإيران من أحداث مؤلمة خلال ثورة يناير .
لكن …

وهنا الفاصل الحقيقي ، هناك ما يُعرف بفقه الأولويات.
حيث تأتي لحظة،
تتقدم فيها مصلحة الوطن، على كل ما عداها . في هذه اللحظة، يكون الحفاظ على الأمن القومي المصري
هو الأولوية التي لا تقبل التردد .
ومن هنا، كان الموقف المصري واضحا.
ليس حبا في إيران ،

ولا انحيازا أعمى، بل قراءة دقيقة لمشهد معقد، واختيارً لما يحمي هذا البلد .
وهنا يظهر وعي الشعب المصري الحقيقي …
هذا الشعب الذي لم يتخذ موقفه من فراغ، ولم ينحاز بدافع العاطفة، بل بدافع الفهم والإدراك .
فكان موقفه متسقا مع ما يحفظ أمن بلده، حتى وإن كان هذا الموقف مُرا .
وربما لهذا تحديدا،

تعرض الشعب المصري في هذه الحرب لهجوم واسع،
خاصة من بعض الأصوات في دول الخليج، التي رأت في هذا التوجه خروجا عن المألوف …
لكن الحقيقة، أن ما بدا للبعض “تناقضًا”،
كان في جوهره، وعيا مختلفا ، و عين العقل …
لانه وعي شعب لا يتحرك بردود الفعل،
بل يقرأ المشهد كاملا،
ويختار موقعه بدقة .
وهنا نصل إلى نقطة تبدو للبعض متناقضة ، لكنها في الحقيقة مكملة لنفس الصورة .
ففي الوقت الذي دعم فيه الشعب المصري موقف الدولة
في قضايا تتعلق بتوازن القوى في المنطقة، نراه في ملفات أخرى، مثل ملف اللاجئين،يُعبر عن رفضه… أو قلقه .
وهنا يخطئ من يظن أن هذا اختلاف في الاتجاه، أو تراجع في دعم قيادته السياسية .
و لكن في الحقيقة هو … شكل آخر من أشكال الدعم .

الدعم المضاد … بمعنى …
عندما تتحرك الدولة في إطار حسابات دولية معقدة، يتحرك الشعب ليُظهر جانبا آخر من الصورة،
جانبا يعكس الضغط الحقيقي، ويوصل رسالة واضحة إلى الخارج، بأن هناك حدودا لا يمكن تجاوزها …
وكأن المشهد يُدار بوعي مزدوج …

موقف رسمي محسوب، وصوت شعبي يضع النقاط على الحروف ، المهم النتيجة و توصيل الرسالة …
شعب لا يغفل ، يميز بين المواقف،ويفهم التوقيت، ويعرف أن لكل مرحلة…أولوياتها.
وهنا يظهر جوهر القوة الحقيقية لمصر،
ليس فقط في مؤسساتها، بل في كامل شعبها .
هذا الشعب الذي حافظ على تماسكه عبر آلاف السنين،
ولم يسمح يوما بكسر وحدته،ولا بإضعاف انتمائه …
ولما الاستغراب و هناك العديد من الشواهد على وعى و فطنة هذا الشعب ، حين خرج في 30 يونيو، استجابة لنداء الوطن، ودعما لقراره المصيري ضد الاخوان ، في لحظة فارقة في تاريخ مصر . فلم يكن ذلك مجرد حراك،بل كان وعيا جمعيا…
واليوم، يُعاد المشهد نفسه … لكن بأدوات مختلفة.
فالشعب المصري،

يعرف متى يصطف،
ومتى يتحدث،
ومتى يضغط ، في الاتجاه الصحيح .
وهذا هو سر بقائه …
وهذا هو سر قوة مصر …
ليست فقط في قراراتها ، بل في شعبها أيضاً …
إنها مصر …

التي لم تصمد آلاف السنين صدفة، بل بوعي شعبها، وبفطنة أبنائها …
فلم يكن اختيارا سهلا …
لكنه كان الإختيار الذي يحمي مصر …

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى