حين تُفقد القيم.. يتحول الإنسان إلى سوق ويُسعَّر الضمير على أرصفة الانهيار| بقلم: د. رائد ناجي

في لحظة ما من تاريخ الأمم، لا يحدث الانهيار بصوت عالٍ كما يُتخيَّل؛ بل يتسلل في صمت، كصدأٍ خفيٍّ يأكل جوهر الأشياء من الداخل.

لا تبدأ الكارثة حين تفرغ الخزائن أو تنهار الجدران، بل حين تُفقد القيم بوصفها البوصلة التي تُهذِّب الفعل الإنساني وتمنحه معناه. هناك، في تلك المنطقة الرمادية بين ما ينبغي وما يُفعل، يولد أخطر أشكال الانحدار: حين يصبح كل شيء قابلا للبيع.. حتى الضمير.

إن القيم ليست مجرد شعارات تُرفع في المناسبات، ولا خطب تُقال في لحظات الحماس؛ إنها البنية العميقة التي تضبط علاقة الإنسان بذاته، وبالآخر، وبالعالم. حين تنهار هذه البنية، يتحول الإنسان من كائن أخلاقي إلى كائن نفعيٍّ محض؛ يقيس الأشياء بميزان الربح والخسارة، لا بميزان الحق والباطل.

وهنا، لا يعود السؤال: “هل هذا صحيح؟”، بل يصبح: “كم يُكلِّف؟ وكم يُدرّ؟”. في هذا السياق، لا يُباع الضمير دفعة واحدة؛ بل يُقايَض تدريجيا. يبدأ التنازل صغيرا، هامشيا، يُبرَّر تحت ضغط الحاجة أو الخوف أو الطموح. ثم يتسع الهامش، وتُعاد صياغة المبررات، حتى يصبح الاستثناء قاعدة، والانحراف سلوكا عاديا.

وهكذا، لا يكتشف الإنسان أنه فقد ضميره إلا بعد أن يكون قد استبدله بشيء آخر: صورة اجتماعية، أو مكسب مادي، أو سلطة عابرة. وإذا تأملنا في بنية المجتمعات التي تعيش هذا التحول، نجد أن السوق لا يعود فضاءً اقتصاديا فحسب، بل يتحول إلى نموذج شامل يُعاد من خلاله تعريف كل شيء.

العلاقات تُسعَّر، المواقف تُقايَض، المبادئ تُجزَّأ. يصبح الولاء سلعة، والحق وجهة نظر، والعدالة خيارا انتقائيا. في مثل هذا المناخ، لا يكون الفساد حادثة طارئة، بل يصبح نظاما كاملا يعمل بكفاءة. الأخطر من ذلك، أن هذا الانهيار لا يظل محصورا في النخب أو في مراكز القرار؛ بل يتسرب إلى الوعي الجمعي، فيُعاد تشكيل الحس العام على نحو يُطبع معه الانحراف.

يصبح الكذب “ذكاءً”، والانتهازية “مرونة”، والتخلي عن المبادئ “واقعية”. وهنا، لا يعود المجتمع يرفض الفساد؛ بل يبدأ في التكيف معه، بل وتبريره أحيانا. لكن، ما الذي يجعل الضمير قابلا للبيع أصلا؟ أهو الفقر؟ أم الخوف؟ أم الطموح غير المنضبط؟ الحقيقة أن هذه العوامل كلها تسهم، لكنها لا تكفي لتفسير الظاهرة.

العامل الحاسم هو غياب المعنى. حين يفقد الإنسان إحساسه بأن لحياته قيمة تتجاوز المنفعة المباشرة، يصبح مستعدا لبيع أي شيء في سبيل تحقيق مكسب آني. القيم، في جوهرها، ليست قيودا؛ بل هي ما يمنح الحياة معناها. وحين يغيب المعنى، يصبح كل شيء قابلا للتفاوض.

من جهة أخرى، لا يمكن فصل هذا التحول عن السياق الثقافي والإعلامي الذي يُعيد إنتاجه يوميا. حين تُقدَّم النماذج الفاسدة بوصفها ناجحة، ويُحتفى بالثراء السريع مهما كان مصدره، ويُهمَّش أصحاب المواقف المبدئية باعتبارهم “ساذجين”، فإن الرسالة التي يتلقاها الفرد واضحة: الطريق الأقصر هو الطريق الأجدى، حتى وإن مرّ على حساب الضمير. غير أن السؤال الأكثر إلحاحا ليس: كيف انهارت القيم؟ بل: هل يمكن استعادتها؟ والجواب، رغم قتامة المشهد، ليس مستحيلا. فالقيم، وإن ضعفت، لا تموت تماما؛ بل تظل كامنة في الوعي، تنتظر من يُعيد إحياءها.

يبدأ ذلك من الفرد، من تلك اللحظة التي يقرر فيها أن يرفض المقايضة، أن يقول “لا” حيث يقول الجميع “نعم”. قد يبدو هذا الفعل صغيرا، لكنه في الحقيقة يعيد ترميم البنية الأخلاقية من أساسها. كما أن استعادة القيم تتطلب إعادة الاعتبار لمفاهيم مثل الأمانة، والصدق، والمسؤولية، لا بوصفها مثالا مثاليا بعيدا، بل كشرط ضروري لبقاء المجتمع نفسه.

فالمجتمع الذي يُباع فيه الضمير، لا يمكن أن يثق أفراده ببعضهم؛ ومع غياب الثقة، تنهار كل منظومات التعاون، من الاقتصاد إلى السياسة إلى الحياة اليومية. إن أخطر ما في فقدان القيم ليس ما يُفقد من مال أو مكانة، بل ما يُفقد من إنسانية.

حين يُختزل الإنسان في كونه “فاعلا اقتصاديا”، يُصبح مستعدا لفعل أي شيء ما دام يُحقق له مصلحة. وهنا، لا يعود السؤال: “ماذا يجب أن نفعل؟”، بل: “ماذا يمكن أن نربح؟”.

وفي ختام هذا التأمل، يمكن القول إن الضمير لا يُباع لأنه ضعيف، بل لأنه تُرك بلا حماية. والقيم لا تنهار لأنها هشة، بل لأنها أُهملت. وبين هذا وذاك، يقف الإنسان أمام اختبار حقيقي: إما أن يكون حارسا لمعناه، أو تاجرا فيه. وفي زمن تُعرض فيه كل الأشياء في سوق مفتوحة، يبقى السؤال الأكثر قسوة: كم يساوي ضميرك… إن قررت أن!!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى