د. رائد ناجي يكتب: بين فوضى الصراع ومخاض النظام الجديد

يتشكل مستقبل الشرق الاوسط اليوم على وقع صراع متعدد المستويات؛ صراع لا يقتصر على الجغرافيا او الحدود، بل يمتد الى عمق البنية السياسية والاقتصادية والرمزية للمنطقة. اذ لم يعد الامر مجرد نزاعات تقليدية بين دول او فواعل غير دولية، بل تحول الى حالة سيولة استراتيجية، تتداخل فيها حسابات القوى الكبرى مع طموحات القوى الاقليمية، وتتصادم فيها مشاريع النفوذ مع ازمات الداخل المنهك.

لقد انتقل الصراع من كونه ادارة ازمات الى محاولة اعادة صياغة المجال الاقليمي برمته. فكل طرف يسعى اليوم ليس فقط الى تحقيق مكاسب تكتيكية، بل الى تثبيت معادلة ردع طويلة الامد، او فرض نموذج هيمنة جديد. وهذا ما يفسر حدة التصعيد، وتعدد بؤر التوتر، من فلسطين الى الخليج، ومن البحر الاحمر الى تخوم اسيا الوسطى.

في هذا السياق، تبدو المنطقة وكأنها تعيش مرحلة “ما قبل النظام”. اي تلك اللحظة التاريخية التي تسبق تبلور توازنات جديدة، حيث تختلط الفوضى بالفرص، ويتراجع اليقين لصالح سيناريوهات مفتوحة. فالقوى التقليدية التي حكمت المنطقة لعقود، سواء كانت دولا مركزية او تحالفات دولية، لم تعد قادرة على ضبط الايقاع كما في السابق.

وفي المقابل، لم تتشكل بعد قوة بديلة قادرة على فرض استقرار مستدام. اقتصاديا، ينعكس هذا الاضطراب بشكل واضح على مسارات التنمية والاستثمار. فالمنطقة، رغم ما تملكه من موارد هائلة، تعيش حالة من التردد الاستثماري، نتيجة المخاطر الجيوسياسية المتصاعدة. ومع ذلك، فان المفارقة تكمن في ان الازمات نفسها قد تفتح نوافذ لاعادة توزيع الثروة والنفوذ. اذ تسعى بعض الدول الى استثمار التحولات الجارية لتعزيز موقعها كمراكز للطاقة او التجارة او الوساطة السياسية.

سياسيا، نشهد تحولا من منطق التحالفات الثابتة الى منطق الشراكات المرنة. فلم تعد الاصطفافات الايديولوجية او التاريخية هي المحدد الرئيسي للعلاقات، بل اصبحت المصالح البراغماتية هي المحرك الاساسي.

وهذا ما يفسر التقارب بين خصوم الامس، والتباعد بين حلفاء الامس، في مشهد يعكس برودة الحسابات اكثر مما يعكس حرارة الشعارات. اما على المستوى الاجتماعي، فان المجتمعات في الشرق الاوسط تعيش حالة من القلق الوجودي.

فالحروب المتكررة، والانهيارات الاقتصادية، وتراجع الثقة في المؤسسات، كلها عوامل تدفع نحو اعادة طرح اسئلة الهوية والانتماء والمستقبل. وهذا ما قد يؤدي، في بعض الحالات، الى تصاعد النزعات المحلية او الطائفية، وفي حالات اخرى الى بروز مطالب اصلاحية عميقة. غير ان اخطر ما في المشهد الحالي هو تآكل فكرة الدولة الوطنية في بعض المناطق. اذ لم تعد الحدود السياسية كافية لضبط الامن او توفير الخدمات، ما يفتح الباب امام فواعل موازية، سواء كانت ميليشيات او شبكات اقتصادية عابرة للحدود. وهذا التحول لا يهدد فقط استقرار الدول، بل يعيد تشكيل مفهوم السيادة ذاته. في المقابل، لا يمكن اغفال دور القوى الدولية في رسم ملامح المستقبل. فالولايات المتحدة، رغم محاولاتها تقليص انخراطها المباشر، لا تزال فاعلا اساسيا في معادلات الردع. وروسيا تسعى الى تثبيت حضورها عبر بوابات عسكرية وسياسية.

أما الصين، فتتقدم بهدوء عبر الاقتصاد والبنية التحتية، محاولة بناء نفوذ طويل الامد دون الانخراط في الصراعات المباشرة. ان تفاعل هذه القوى مع الديناميكيات المحلية يخلق شبكة معقدة من المصالح والتناقضات، تجعل من الصعب التنبؤ بمآلات الصراع. ومع ذلك، يمكن القول ان المنطقة تتجه نحو احد ثلاثة سيناريوهات رئيسية: اما استمرار الفوضى مع ادارة الصراع دون حسم، او انفجار واسع يعيد رسم الخرائط بالقوة، او تبلور توازن جديد يقوم على تقاسم النفوذ وادارة الخلافات.

يبقى السؤال الاهم: هل يمتلك الشرق الاوسط القدرة على انتاج نظامه الخاص، ام سيظل ساحة لتصفية حسابات الاخرين؟ الاجابة عن هذا السؤال تتوقف على مدى قدرة الدول والمجتمعات على تجاوز منطق الصراع الصفري، والانتقال الى منطق المصالح المشتركة. في النهاية، لا يبدو المستقبل قاتما بالضرورة، لكنه بالتأكيد معقد ومفتوح على احتمالات متعددة. فالمنطقة التي كانت دائما في قلب التاريخ، تقف اليوم على اعتاب مرحلة جديدة؛ مرحلة قد تعيد تعريف موقعها في العالم، اما كفضاء صراع دائم، او كنقطة توازن بين الشرق والغرب.

وبين هذين الاحتمالين، يتحدد مصير اجيال كاملة، تبحث عن استقرار طال انتظاره، في زمن لا يعترف الا بلغة القوة والتحولات.

د. رائد ناجي

أكاديمي ومحلل سياسي واقتصادي وإعلامي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى