تأمين الصحة النفسية… معركة جديدة لصناعة التأمين بين حماية الإنسان وضبط المخاطر

كتب/ عاطف طلب
لم تعد الصحة النفسية ملفاً طبياً هامشياً، بل تحولت إلى أحد أهم محددات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، خاصة بعد الجائحة العالمية التي كشفت حجم الضغوط التي تواجه الأفراد والمؤسسات على حد سواء. ومع تصاعد الوعي المجتمعي، برز التأمين كأداة حاسمة لتحويل الاهتمام النظري بالصحة النفسية إلى خدمات علاجية فعلية يمكن الوصول إليها.
وتتجه شركات التأمين عالمياً إلى دمج تغطيات الصحة النفسية داخل وثائق التأمين الطبي وتأمينات الحياة وحماية الدخل، في محاولة لبناء مظلة حماية أكثر شمولاً. وتشمل هذه التغطيات جلسات العلاج النفسي، والاستشارات المتخصصة، والأدوية، إضافة إلى برامج وقائية رقمية تستهدف إدارة الضغوط وتعزيز العافية.
غير أن هذا التوسع يواجه تحديات فنية معقدة، أبرزها صعوبة التشخيص الدقيق، ونقص البيانات التاريخية، وعدم اليقين الاكتواري المرتبط بطبيعة الاضطرابات النفسية المتقلبة. كما تمثل ظاهرة الاختيار العكسي والمخاطر الأخلاقية ضغطاً إضافياً على الشركات، ما يدفعها إلى تطبيق فترات انتظار وضوابط أكثر صرامة.
وفي المقابل، يفتح الابتكار الرقمي آفاقاً واعدة لسد الفجوة، حيث تتيح تطبيقات الصحة النفسية والذكاء الاصطناعي إمكانات غير مسبوقة للرصد المبكر والتدخل الوقائي، بما يخفض تكلفة المطالبات ويحسن النتائج الصحية.
الخلاصة أن مستقبل صناعة التأمين بات مرتبطاً بقدرتها على الانتقال من نموذج التعويض بعد الأزمة إلى نموذج الوقاية قبل وقوعها، وهو تحول استراتيجي سيحدد شكل المنافسة في السوق خلال السنوات المقبلة.



