محمد مطر يكتب: معرض الكتاب “اقرأ”.. فلسفة التأسيس قبل التكليف
في لحظة فارقة من تاريخ البشرية، هبط جبريل عليه السلام بكلمة واحدة اختصرت منهج الحياة: “اقرأ”. في تلك اللحظة، لم يكن النبي ﷺ قد أُمِر بالصلاة بعد، ولا طُلب منه الصيام أو الحج.
فما هي الحكمة من تقديم القراءة على العبادات الشعائرية؟
لا يمكن للمرء أن يعبد ما يجهل، ولا أن يستقيم في طريق لا يعرف معالمه. إن اختيار “اقرأ” كأول أمر إلهي يرسخ مبدأ أن الوعي يسبق السلوك، فالصلاة بلا علم تصبح طقساً آلياً، والصيام بلا فهم يتحول إلى جوع مادي. القراءة هي التي تمنح العبادة معناها، وهي التي تجعل المسلم يدرك “عظمة الخالق” قبل أن يخر ساجداً له.
جاء الإسلام في بيئة تعتمد على الموروثات القبلية والتبعية العمياء. بكلمة “اقرأ”، حطم الوحي القيود عن العقل البشري، ونقله من “عصر النقل” السلبي إلى “عصر العقل” النشط. القراءة هنا ليست مجرد فك للخطوط، بل هي عملية فحص ونقد وتحليل، وهي الأداة الوحيدة التي تمكن الإنسان من التمييز بين الحق والباطل بعيداً عن صخب التبعية.
لم يقل الله “اقرأ” وكفى، بل أتبعها بقوله “باسم ربك الذي خلق”، وهذا هو الفارق الجوهري بين العلم النافع والعلم المدمر.
فالقراءة المجرّدة قد تقود إلى الغرور أو الفساد، أما القراءة المرتبطة بالقيم الإلهية فهي التي تبني الحضارات الرحيمة. إنها دعوة للجمع بين “الكتاب المسطور” (القرآن) و”الكتاب المنظور” (الكون).
العبادات (الصلاة والصيام) هي علاقة بين العبد وربه تهدف لتزكية النفس، لكن “القراءة” هي علاقة بين الإنسان والوجود تهدف لبناء الأمة. لا يمكن لأمة أن تسود وهي جاهلة، ولا يمكن لدين أن ينتشر وهو يفتقر للحجة العلمية. “اقرأ” كانت إشارة الانطلاق لميلاد أعظم نهضة علمية عرفها التاريخ.



