حين تُستدعى الأندلس كسـ .لاح.. كتاب يُخاطب الغرب بالخوف لا بالتاريخ

كتب / محمد هلوان

أعادت إمارة أبوظبي إلى الواجهة سجالًا فكريًا وإعلاميًا واسعًا بتبنّيها كتاب «وهم الأندلس» للكاتبة الإماراتية روضة الطنيجي، وهو كتاب يقدّم قراءة تحذيرية موجّهة بالأساس إلى أوروبا والولايات المتحدة، تُصوِّر الوجود الإسلامي في الغرب بوصفه خطرًا كامنًا، لا باعتباره جزءًا من نسيج اجتماعي وثقافي متنوع.

ينطلق الكتاب من فرضية مركزية مفادها أن تجربة الأندلس ليست صفحة تاريخية منتهية، بل نموذج قابل للتكرار، وأن المسلمين في الغرب اليوم يعيدون إنتاجها بأدوات مختلفة، لا عبر السـ .لاح أو الفتح العسكري، بل من خلال ما تصفه الكاتبة بـ«الغزو الناعم»: مؤسسات المجتمع المدني، سياسات الموارد البشرية، الجامعات، المنظمات غير الحكومية، وخطابات «الضرر» و«الإقصاء». ووفق هذا التصور، فإن المجتمعات الغربية لا تتعرض للاختراق بالقوة، بل عبر انفتاحها المفرط وتسامحها غير المشروط.

هذه الأطروحة لم تمر دون اعتراض. فقد قُوبلت بقراءات نقدية مغايرة، من بينها قراءة المستعرب الإسباني الدكتور إغناثيو فيراندو، الذي ينتمي إلى تقليد أكاديمي غربي يرى في الحضارة الأندلسية إضافة تاريخية كبرى للحضارة الأوروبية، لا تجربة مظلمة أو تهـ .ديدًا حضاريًا. فالغرب، في عمومه الأكاديمي والثقافي، لا ينظر إلى الإرث الأندلسي بوصفه «خطأ تاريخيًا»، بل بوصفه لحظة تلاقح معرفي وثقافي أسهمت في تشكّل أوروبا الحديثة.

في هذا السياق، بدا تبنّي أبوظبي للكتاب محاولة واعية لإعادة تعريف الأندلس في المخيال الغربي، ليس كتجربة تعايش وتفاعل، بل كإنذار دائم، وكأداة خطابية لتأطير الوجود الإسلامي المعاصر داخل أوروبا باعتباره مشروعًا تهديديًا مؤجلًا. وهو ما يضع الكتاب في موقع سياسي بقدر ما هو فكري، إذ لا يكتفي بتحليل التاريخ، بل يوظفه لإنتاج سردية خوف معاصرة.
الجدل تصاعد أكثر بعد تعليق البروفيسور البريطاني أندرياس كريج من كلية الملك الجامعية في لندن، الذي وصف الكتاب بعبارة لاذعة:
«هذا حال بوتات النماذج اللغوية: قمامة تدخل، وقمامة تخرج».

في هذا التعليق، لم يكن الهجوم موجهًا فقط إلى محتوى الكتاب، بل إلى طبيعته الذهنية، معتبرًا أنه لا يمثل تفكيرًا إنسانيًا نقديًا أصيلًا، بل أقرب إلى محاكاة آلية للتفكير، تُنتج خطابًا أيديولوجيًا مُعلّبًا، يمكن لأي نموذج لغوي أن يعيد صياغته دون روح أو عمق.

الكاتبة روضة الطنيجي، من جانبها، دافعت عن طرحها عبر منصة «إكس»، مؤكدة أن الغرب يتساءل باستمرار عن سبب شعوره بأن مؤسساته «مُختطفة»، وأن الإجابة – بحسب رؤيتها – تكمن في ما تسميه «الأندلسيين الجدد»: إسلاميين غربيين أتقنوا استخدام أدوات النظام المفتوح لإعادة تشكيله من الداخل. وهي تشدد على أن المسألة لا تتعلق بالعقيدة الدينية، بل باستراتيجية أقلية أيديولوجية تستغل حسن النية البنيوي للمجتمعات الليبرالية.

بين هذه المواقف المتقابلة، يتحول «وهم الأندلس» من مجرد كتاب إلى علامة على صراع سرديات: سردية ترى في التاريخ الإسلامي الأوروبي خطرًا مؤجلًا يجب التحذير منه، وسردية أخرى تعتبر هذا التاريخ جزءًا من تراكم إنساني مشترك، لا يمكن اختزاله في خطاب الخوف أو نظرية المؤامرة. وفي قلب هذا الصراع، تبرز الأسئلة الأهم: هل يُستدعى التاريخ للفهم أم للتخويف؟ وهل يُستخدم الماضي لتوسيع أفق التعايش، أم لإعادة إنتاج الانقسام؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى