روجينا فتح الله تكتب: حين تتحدث الدولة بلغة المواطن: صفحة وزارة الداخلية نموذجًا للقوة الناعمة الرقمية
كاتبة صحفية
في زمن أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي ساحة رئيسية لتشكيل الوعي وصناعة الرأي العام، لم يعد كافيًا أن تمتلك المؤسسات الرسمية صفحات رقمية، بل بات التحدي الحقيقي هو كيف تُدار هذه الصفحات، وبأي خطاب تخاطب الجمهور، ومن بين التجارب اللافتة في هذا الإطار، تبرز صفحة وزارة الداخلية المصرية كنموذج متقدم في الاتصال الحكومي الرقمي.
نجحت الصفحة في تجاوز المفهوم التقليدي للمنصات الأمنية، التي كانت تقتصر سابقًا على نشر البيانات الرسمية أو أخبار الضبطيات، لتتحول إلى منصة تفاعلية تمارس دورًا واضحًا في بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، فالمحتوى لم يعد أمنيًا بحتًا، بل اتخذ طابعًا إنسانيًا وتوعويًا يعكس وعيًا عميقًا بطبيعة الجمهور واحتياجاته.
ويُحسب للقائمين على إدارة الصفحة قدرتهم على تقديم رسالة أمنية بلغة مبسطة قريبة من المواطن، دون الإخلال بهيبة الدولة أو حساسية الدور الأمني، فالتوازن بين الحزم والإنسانية، وبين المعلومة والرسالة، كان عنصرًا حاسمًا في تحقيق هذا القبول الجماهيري الواسع.
كما لعب الالتزام بالمصداقية وسرعة النشر دورًا محوريًا في تعزيز ثقة المتابعين، حيث أصبحت الصفحة مصدرًا معتمدًا للمعلومة، يلجأ إليه المواطن قبل الانسياق وراء الشائعات أو الأخبار غير الموثوقة، وهو ما يؤكد أن الأمن في صورته الحديثة لم يعد يعتمد فقط على الجهد الميداني، بل على إدارة ذكية للمعلومة.
ولم تغفل الصفحة البُعد الإنساني، إذ حرصت على إبراز نماذج إيجابية لرجال الشرطة في مواقف إنسانية واجتماعية، ما أسهم في إعادة تشكيل الصورة الذهنية لرجل الأمن لدى قطاعات واسعة من الجمهور، خاصة فئة الشباب، الذين يمثلون الشريحة الأكبر على منصات التواصل.
إن تجربة صفحة وزارة الداخلية المصرية تؤكد أن القوة الناعمة لم تعد حكرًا على المؤسسات الثقافية أو الإعلامية فقط، بل أصبحت أداة فاعلة في يد المؤسسات الأمنية، متى أُحسن استخدامها، فالتواصل الذكي، والشفافية، واحترام عقل المتلقي، هي ركائز أساسية لأي حضور رقمي ناجح.
وفي النهاية، يمكن القول إن صفحة وزارة الداخلية لم تكتفِ بنقل الخبر، بل شاركت بفاعلية في صناعة الوعي المجتمعي، وقدمت نموذجًا يُحتذى به في الاتصال الحكومي الحديث، حيث تلتقي الرسالة الأمنية مع الإعلام المهني، ويصبح المواطن شريكًا في الفهم لا مجرد متلقٍ للمعلومة.



