نوفل البرادعي يكتب: “ايران في الشارع ” والحسم في الغرف المغلقة
في الظاهر، تُقدَّم الاحتجاجات في إيران بوصفها انفجارًا اجتماعيًا تغذّيه الضائقة الاقتصادية وتآكل شروط العيش. لكن هذا التوصيف يبقى قاصرًا إذا لم يُقرأ في بعده السياسي العميق. فما يجري في الشارع الإيراني لم يعد مجرد احتجاج على الأسعار أو البطالة أو الفساد، بل اختبار مباشر لشرعية النظام ذاته: هل نحن أمام أزمة دورية يمكن احتواؤها بأدوات الأمن والاحتواء الاقتصادي، أم أمام لحظة تتحول فيها الحركة الاحتجاجية إلى سؤال وجودي يطال بنية الحكم نفسها؟ هنا، لا يعود الاحتجاج حدثًا عابرًا في دورة التململ التقليدية، بل مواجهة بين نموذج دولة تشكّل منذ الثورة، ومجتمع لم يعد يرى في هذا النموذج ما يبرّر كلفته التاريخية والإنسانية.
من هذا المعنى بالذات، يتجاوز ما يحدث في إيران حدوده الوطنية، ويدخل تلقائيًا إلى حسابات الإقليم والقوى الكبرى. فالأنظمة التي تهتز داخليًا لا تُراقَب فقط من شعوبها، بل من خصومها أيضًا، بوصفها فرصًا محتملة لإعادة رسم موازين القوى. ولذلك لا تُقرأ الاحتجاجات الإيرانية في تل أبيب أو واشنطن باعتبارها شأنًا داخليًا محضًا، بل باعتبارها لحظة اختبار لنظام يُنظر إليه منذ سنوات بوصفه العقدة المركزية في معادلة الشرق الأوسط.
في إسرائيل، لا يسود اعتقاد بأن طهران ستبادر إلى ضربها لمجرد حرف الأنظار عمّا يجري في الداخل. فالنظام الإيراني، يدرك أن فتح جبهة خارجية مباشرة مع إسرائيل في هذا التوقيت قد يحوّل الاحتجاج من أزمة سياسية خطرة إلى امتحان وجودي لا يمكن السيطرة على مآلاته. في المقابل، لا تبدو إسرائيل – في هذه اللحظة الزمنية تحديدًا – متجهة إلى قرار بضربة عسكرية مباشرة ضد إيران. الحسابات دقيقة، والأثمان عالية، والنافذة الدولية لم تُفتح بعد. لكن في الشرق الأوسط، لا يكفي أن تكون النيات غير هجومية كي يُستبعد الانفجار:فالتاريخ هنا علّمنا أن “سوء التقدير” كثيرًا ما يقوم مقام القرار والحسابات الخاطئة تجعل المستبعد صحيحاً.
من هنا يبرز سؤال السياسة لا سؤال الشعارات: إذا كانت إسرائيل ترى فعلًا أن ما يجري في إيران يلامس شرعية النظام، وأن إضعافه أو إسقاطه هدف استراتيجي طويل المدى، فلماذا لا تلتزم الصمت وتترك الملف للمعالجة الأميركية؟ ولماذا لا تُبقي دورها في خانة التأثير غير المباشر بدل إرسال إشارات قد تمنح النظام الإيراني الذريعة التي يبحث عنها لتحويل أزمة شرعية داخلية إلى معركة “دفاع عن الوطن” في مواجهة الخارج؟ هكذا يمكن قراءة الاتصال الهاتفي بين ماركو روبيو وبنيامين نتنياهو: دعوة واضحة إلى خفض الضجيج، وإبقاء إدارة الملف في الإطار الأميركي، لأن الإفراط في الإشارات العلنية لا يخدم هدف إضعاف النظام، بل قد يمنحه فرصة لإعادة توحيد الداخل تحت راية الخطر الخارجي.
غير أن السياسة لا تسير دائمًا وفق منطق البرودة. تصريح وزير التراث الإسرائيلي عميحاي إلياهو – الذي عُرف سابقًا بدعوته إلى إلقاء قنبلة نووية على غزة – جاء ليقلب المعادلة حين كشف عن نشر إسرائيل عملاء لها داخل صفوف المتظاهرين الإيرانيين. سواء كان التصريح زلة أم رسالة، فإن أثره واحد: منح رواية النظام الإيراني حول “الاختراق الخارجي” مصداقية جاهزة. فطهران التي لطالما وصفت الاحتجاجات بأنها مؤامرة خارجية،تجد في كلام وزير إسرائيلي مادة لتعبئة قواعدها الأمنية والسياسية. وهنا تكمن المفارقة: حين يتداخل الصراع الإقليمي مع حركة احتجاج داخلية، تتقلص مساحة التغيير من الداخل، وتزداد قدرة السلطة على تحويل المطالبة السياسية إلى تهديد وجودي.
في الخلفية، تدور التقديرات الإسرائيلية حول دونالد ترامب. الرجل الذي اعتاد أن يحوّل التهديد إلى فعل، كما فعل في مهلة الستين يومًا التي انتهت إلى حرب الاثني عشر يومًا بتدخل أميركي مباشر. في تل أبيب، يُقرأ هذا السلوك بوصفه مؤشرًا: إذا هدّد، فقد ينفّذ. لكن التوقيت لا يزال ضبابيًا. النظام الإيراني لا يبدو آيلًا للسقوط الفوري. وتجارب الأنظمة السلطوية تقول إن لحظة الانهيار لا تأتي مع أول موجة احتجاج، بل حين تتبدل معادلة القوة داخل أجهزة الدولة نفسها. فقط عندما ترفض قوى الأمن إطلاق النار على المتظاهرين، يدخل النظام طور النهاية. قبل ذلك، تبقى كل الأزمات قابلة للاحتواء مهما بلغت حدتها.
الخشية الإسرائيلية، في حال وقوع ضربة أميركية، أن يكون الرد الإيراني موجهًا أساسًا إلى القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، لكن أن تطال شظاياه إسرائيل أيضًا. كل شيء هنا مرتبط بطبيعة الضربة: هل تستهدف رأس النظام وبنيته السياسية؟ أم تقتصر على مواقع عسكرية محددة؟ في السيناريو الثاني يمكن الاحتواء. في الأول، تدخل المنطقة منطق كسر العظم، حيث لا تعود الحسابات محصورة في حدود الجغرافيا، بل في إعادة تشكيل قواعد الاشتباك برمتها، فاسرائيل إذا استهدفت لن تتردد في اغتيال خمينائي مع بداية الرد .
في هذا السياق، يعود بنيامين نتنياهو إلى منطقه المفضّل: استخدام التاريخ لا بوصفه ذاكرة، بل أداة إقناع. كما يُستدعى فشل أوباما وبايدن في دعم الحركة الخضراء في إيران، لاقناع ترامب ، يُستدعى اليوم خطاب مفاده أن التسويات الإقليمية الكبرى – من غزة إلى لبنان، ومن الخليج إلى المتوسط – لن تستقر إلا بتغيير النظام في طهران، ونزع سلاح حزب الله وحماس ، وإنهاء الدور الإيراني نهائيًا. بعبارة أخرى: الذهاب إلى “حرب من أجل سلام”، بحسب تعريف نتنياهو للسلام.
في خلفية هذا الطرح تحضر، وإن من دون تسمية، فكرتان مركزيتان في علم السياسة: الأولى تفترض أن الأنظمة المتصلبة لا تتغير من الداخل إلا إذا تعرضت لصدمة خارجية تعيد ترتيب ميزان القوى:وقد عرف التاريخ نماذج على ذلك، لكنه عرف أيضًا كيف تتحول الصدمة إلى فوضى إذا غاب البديل. والثانية تقول إن إسقاط رأس النظام لا يعني تفكك بنيته العميقة،فورا، وإن الدولة التي حكمت بالقوة قادرة على إعادة إنتاج نفسها ما لم تتغير القاعدة الاجتماعية والسياسية التي تستند إليها. بين هاتين الفكرتين، تتحدد المسافة بين “ضربة حاسمة” و”مأزق طويل”.
هكذا، تبدو الاحتجاجات في إيران أكبر من أن تُختزل في مطلب معيشي، وأخطر من أن تُستثمر كأداة في صراع إقليمي. إسرائيل لا تعتقد أن إيران ستبادر إلى ضربها لصرف الأنظار عن الشارع، ولا تخطط هي في هذه اللحظة لضرب طهران. لكن بين النفي المتبادل، تقف المنطقة، على مساحة رمادية ،على حافة خطأ واحد في التقدير.
ما يجري في إيران سياسي بامتياز لأنه يمس شرعية الحكم لا أداءه فقط. والتدخل الخارجي – مهما بدا مغريًا في حسابات اللحظة – يحمل خطر تحويل أزمة نظام إلى حرب إقليمية. والرهان على “الحرب من أجل السلام” قد ينجح في كسر معادلات قائمة، لكنه لا يضمن بناء نظم مستقرة ولا مجتمعات أكثر عدلًا. والتاريخ يقول إن الأنظمة لا تسقط حين يحتج الناس فقط، بل حين تتردد البنادق في أيدي من أُمروا بإسكاتهم.
“في الشرق الأوسط، لا يُحسم مصير نظام كالنظام الإيراني في الشارع وحده، بل في اللحظة التي يكتشف فيها السلاح أنه لم يعد يعرف لمن يطيع”.



