ميليشيات إيران تُرعب أهالي تدمر.. فتركوا منازلهم بثمن بخس

كتب‭/ ‬حسن‭ ‬بن‭ ‬سعيد

اتسعت‭ ‬ظاهرة‭ ‬سماسرة‭ ‬العقارات‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬تدمر‭ ‬الأثرية‭ ‬والبلدات‭ ‬المحاذية‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬ريف‭ ‬مدينة‭ ‬حمص،‭ ‬وسط‭ ‬سوريا،‭ ‬وازداد‭ ‬عددهم‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭.‬

ومرد‭ ‬هذا‭ ‬الارتفاع‭ ‬ليس‭ ‬طبيعيا،‭ ‬بل‭ ‬بسبب‭ ‬خشية‭ ‬سكان‭ ‬المدينة‭ ‬من‭ ‬بطش الميليشيات‭ ‬الإيرانية التي‭ ‬تسيطر‭ ‬على‭ ‬المنطقة‭.‬

وتخيّر‭ ‬هذه‭ ‬الميليشيات‭ ‬المدنيين‭ ‬بين‭ ‬التجنيد‭ ‬في‭ ‬صفوفها‭ ‬أو‭ ‬بيع‭ ‬منازلهم‭ ‬بأسعار‭ ‬زهيدة‭.‬

وبحثا‭ ‬عن‭ ‬حياة‭ ‬آمنة‭ ‬يفر‭ ‬المدنيون‭ ‬باتجاه‭ ‬مدن الرقة والحسكة والقامشلي‮ ‬ومنبج وحلب بعد‭ ‬تجاوزات‭ ‬الميليشيات‭ ‬وحرصها‭ ‬المستمر‭ ‬نشر‭ ‬الذعر‭ ‬بين‭ ‬السكان‭ .‬

وكشفت‭ ‬مصادر‭ ‬محلية‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬المدينة،‭ ‬التي‭ ‬بلغ‭ ‬تعدادها‭ ‬قبل‭ ‬الحرب‭ ‬30‭ ‬ألف‭ ‬نسمة‭ ‬فر‭ ‬منهم‭ ‬28‭ ‬ألفا،‭ ‬لموقع‭ ‬‮«‬العربية‮»‬‭ ‬أن‭ ‬ضباط‭ ‬من‭ ‬الميليشيات‭ ‬الإيرانية‭ ‬صادروا‭ ‬المنازل‭ ‬الفاخرة‭ ‬في‭ ‬تدمر‭ ‬وسكنوها‭ ‬مع‭ ‬عائلاتهم،‭ ‬كما‭ ‬استولوا‭ ‬على‭ ‬المحال‭ ‬التجارية‭ ‬والأراضي‭ ‬التي‭ ‬يملكها‭ ‬سكانها‭ ‬الأصليون‭.‬

وذكرت‭ ‬المصادر‭ ‬أن‭ ‬الأهالي‭ ‬يضطرون‭ ‬لبيع‭ ‬منازلهم‭ ‬الفاخرة‭ ‬تحت‭ ‬قوة‭ ‬السلاح‭ ‬بمبلغ‭ ‬2000‭ ‬دولار،‭ ‬وحتى‭ ‬الأبنية‭ ‬ذات‭ ‬الطابقين‭ ‬والثلاثة‭ ‬طوابق‭ ‬تباع‭ ‬بأسعار‭ ‬زهيدة‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬3000‭ ‬دولار،‭ ‬وغالبا‭ ‬لا‭ ‬يقبض‭ ‬الباعة‭ ‬لأملاكهم‭ ‬ثمنها‭ ‬حين‭ ‬تخيرهم‭ ‬ميليشيات‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬وما‭ ‬يتبعونهم‭ ‬من‭ ‬لواء‭ ‬الفاطميون‭ ‬وزينبيون‭ ‬بين‭ ‬التنازل‭ ‬عما‭ ‬يملكون‭ ‬أو‭ ‬الالتحاق‭ ‬بصفوفهم‭.‬

وعزى‭ ‬هيثم‭ ‬المليح،‭ ‬وهو‭ ‬تدمري‭ ‬هرب‭ ‬مع‭ ‬عائلته‭ ‬قبل‭ ‬ثلاثة‭ ‬شهور‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬الرقة‭ ‬أسباب‭ ‬بيع‭ ‬الشقق‭ ‬السكنية‭ ‬بأسعار‭ ‬زهيدة‭ ‬للتجاوزات‭ ‬التي‭ ‬تنتهكها‭ ‬الميليشيات‭ ‬من‭ ‬خطف‭ ‬وقتل‭ ‬ونهب‭ ‬وسرقة‭ ‬دون‭ ‬رادع‭.‬

وأضاف‭ ‬في‭ ‬حديثه‭ ‬لموقع‭ ‬‮«‬الجالية‮»‬‭ ‬استيلاء‭ ‬مرتزقة‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬منازل‭ ‬لتحولها‭ ‬لمراكز‭ ‬عسكرية‭ ‬لاسيما‭ ‬بعد‭ ‬استقدامها‭ ‬للجنود‭ ‬والآليات‭ ‬العسكرية‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬البوكمال‭ ‬الحدودية‭ ‬مع‭ ‬العراق‭ ‬باتجاه‭ ‬عمق‭ ‬البادية‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬وللتنقيب‭ ‬عن‭ ‬الآثار‭ ‬وسرقتها‭ ‬كون‭ ‬المدينة‭ ‬هي‭ ‬أثرية،‭ ‬ولازالت‭ ‬كنوزها‭ ‬مدفونة‭ ‬تحت‭ ‬المدينة‭ ‬الحديثة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬

مدينة‭ ‬أشباح

براء‭ ‬سلوم‭ ‬تاجر‭ ‬أقمشة‭ ‬يتحدر‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬تدمر‭ ‬فر‭ ‬مع‭ ‬عائلته‭ ‬وعائلة‭ ‬شقيقه‭ ‬وشقيقته‭ ‬إلى‭ ‬العاصمة‭ ‬دمشق،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬استولت‭ ‬ميليشيات‭ ‬الفاطميون‭ ‬على‭ ‬محاله‭ ‬ومنزله‭ ‬وسيارته‭ ‬منذ‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭.‬

وأكد‭ ‬في‭ ‬حديثه‭ ‬لموقع‭ ‬‮«‬الجالية‮»‬‭ ‬أن‭ ‬المدينة‭ ‬بات‭ ‬فارغة‭ ‬من‭ ‬سكانها‭ ‬بنسبة‭ ‬93‭ ‬بالمئة‭ ‬وغالبيتهم‭ ‬هاجروا‭ ‬باتجاه‭ ‬مدن‭ ‬الساحل‭ ‬والعاصمة‭ ‬دمشق‭ ‬والرقة‭ ‬والحسكة‭ ‬ومصر‭ ‬وأروبا‭.‬

براء‭ ‬سلوم‭ ‬أضاف‭:‬‮»‬المدنيون‭ ‬كانوا‭ ‬يُخطفون‭ ‬بشكل‭ ‬يومي‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬ميليشيات‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬العراقي‭ ‬ولواء‭ ‬الفاطميون‭ ‬وزينبيون‭ ‬والمئات‭ ‬منهم‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬مصيرهم‭ ‬مجهولا‭ ‬لليوم‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬مئات‭ ‬المدنيين‭ ‬لقوا‭ ‬حتفهم‭ ‬بطرق‭ ‬وحشية‭ ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬الميليشيات‭ ‬تنسبها‭ ‬لداعش‭ ‬ليحكموا‭ ‬قبضتهم‭ ‬على‭ ‬تدمر‭ ‬وقد‭ ‬حصنوها‭ ‬عسكرياً‭ ‬بذريعة‭ ‬محاربة‭ ‬التنظيم‮»‬‭.‬

ونوه‭ ‬سلوم‭ ‬إلى‭ ‬ملازمة‭ ‬المدنيين‭ ‬لمنازلهم‭ ‬قبل‭ ‬هبوط‭ ‬الظلام،‭ ‬خوفا‭ ‬من‭ ‬عمليات‭ ‬القتل‭ ‬والخطف‭ ‬وهو‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬تكثف‭ ‬فيه‭ ‬الميليشيات‭ ‬من‭ ‬تحركاتها‭ ‬ليلاً‭ ‬وتعقد‭ ‬اجتماعاتها‭.‬

‮ ‬خريطة‭ ‬الميليشيات

ويعتقد‭ ‬مصطفى‭ ‬خليل،‭ ‬الصحفي‭ ‬السوري‭ ‬المتخصص‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الإيرانية،‭ ‬أن‭ ‬لتدمر‭ ‬وضواحيها‭ ‬أهميتها‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬إيران‭ ‬نظراَ‭ ‬لموقعها‭ ‬الجغرافي‭ ‬الذي‭ ‬يربطها‭ ‬بالحدود‭ ‬السورية‭ ‬العراقية،‭ ‬مما‭ ‬يسهل‭ ‬على‭ ‬مرتزقة‭ ‬إيران‭ ‬سرعة‭ ‬تنقلهم‭ ‬واستقدام‭ ‬لوازمهم‭ ‬العسكرية‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬باتجاه‭ ‬الجنوب‭ ‬السوري‭ ‬وشرقه‭ ‬من‭ ‬الميادين‭ ‬والبوكمال‭ ‬ودير‭-‬الزور‭ ‬ومحيط‭ ‬الرقة‭ ‬باتجاه‭ ‬تدمر‭ ‬وريف‭ ‬حمص‭ ‬وحتى‭ ‬القنيطرة‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬السورية‭ ‬الاسرائيلية‭ .‬

ويوضح‭ ‬خليل‭ ‬لموقع‭ ‬‮«‬الجالية‮»‬‭ ‬خريطة‮»‬‭ ‬توزع‭ ‬القواعد‭ ‬العسكرية‭ ‬للميليشيات‭ ‬الإيرانية‭ ‬من‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬ولواء‭ ‬باقر‭ ‬وحزب‭ ‬الله‭ ‬العراقي‭ ‬ولواء‭ ‬الفاطميون‭ ‬وزينبيون‭ ‬في‭ ‬محيط‭ ‬مدينة‭ ‬تدمر‭ ‬بين‭ ‬مطار‭ ‬الشعيرات‭ ‬وتدمر‭ ‬وقصر‭ ‬الحير‭ ‬الغربي‭ ‬وحميمة‭ ‬ومطار‭ ‬التيفور‭ ‬والمحطة‭ ‬الثالثة‭ ‬وغيرها‭.‬

دروع‭ ‬بشرية‮ ‬

واتهمت‭ ‬شبكة‭ ‬‮«‬عين‭ ‬الفرات‮»‬‭ ‬الإخبارية‭ ‬مجموعات‭ ‬موالية‭ ‬لإيران‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬المنطقة‭ ‬كاللواء‭ ‬أبو‭ ‬الفضل‭ ‬العباس،‭ ‬بتزويد‭ ‬ميليشيات‭ ‬إيران‭ ‬بمعلومات‭ ‬عن‭ ‬اصحاب‭ ‬البيوت‭ ‬المهجرة‭ ‬ومواقع‭ ‬منازلهم‭ ‬واسمائهم‭ ‬لمصادرتها‭.‬

وحذرت‭ ‬من‭ ‬الإجراءات‭ ‬التي‭ ‬تتخذها‭ ‬تلك‭ ‬الميليشيات‭ ‬من‭ ‬انتشار‭ ‬مقارها‭ ‬بين‭ ‬البيوت‭ ‬المتبقية‭ ‬فيها‭ ‬سكانها‭ ‬والتحصن‭ ‬بين‭ ‬الأحياء‭ ‬السكنية‭ ‬بغية‭ ‬اتخاذ‭ ‬المدنيين‭ ‬دروعا‭ ‬بشرية‭ ‬ضد‭ ‬الغارات‭ ‬الجوية‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬قواعدها‭ ‬ومراكزها‭ ‬العسكرية‭.‬

تأمين‭ ‬الطرقات‮ ‬

من‭ ‬جانبه،‭ ‬كثف‭ ‬تنظيم‭ ‬داعش‮ ‬‭ ‬الإرهابي‭ ‬من‭ ‬كمائنه‭ ‬ضد‭ ‬الميليشيات‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬البادية‭ ‬السورية‭ ‬لاسيما‭ ‬طريق‭ ‬السخنة‭ ‬ودير‭ ‬الزور‭.‬

وفي‭ ‬الأونة‭ ‬الأخيرة‭ ‬كانت‭ ‬أرتال‭ ‬الميليشيات‭ ‬شرقي‭ ‬حمص‭ ‬في‭ ‬مرمى‭ ‬نيران‭ ‬خلايا‭ ‬داعش‭ ‬التي‭ ‬كبدتها‭ ‬خسائر‭ ‬فادحة‭ ‬وانتشرت‭ ‬خلايا‭ ‬التنظيم‭ ‬في‭ ‬الصحراء‭ ‬السورية‭ ‬الجرداء‭ ‬واستعادت‭ ‬نشاطها‭.‬

وعن‭ ‬أسباب‭ ‬ذلك،‭ ‬أشار‭ ‬الباحث‭ ‬المتخصص‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬الجماعات‭ ‬الإرهابية،‮ ‬أحمد‭ ‬الدويلمي،‮ ‬إلى‭ ‬سطوة‭ ‬خلايا‭ ‬التنظيم‭ ‬على‭ ‬المدنيين‭ ‬وحصولهم‭ ‬من‭ ‬عمليات‭ ‬الخطف‭ ‬وطلب‭ ‬الفدية‭ ‬وفرض‭ ‬الإتاوات‭ ‬على‭ ‬التجار‭ ‬من‭ ‬شراء‭ ‬الأسلحة‭ ‬من‭ ‬سماسرة‭ ‬وتجار‭ ‬وحصولهم‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يرغبون‭ ‬من‭ ‬كميات‭ ‬وأنواع‭ ‬الأسلحة‭.‬

وأضاف‭ ‬الدويليم‭ ‬في‭ ‬حديث‭ ‬لموقع‭ ‬‮«‬العربية‮» ‬‭ ‬أن‭ ‬نظيم‭ ‬داعش‭ ‬يتحصن‭ ‬في‭ ‬الخنادق‭ ‬التي‭ ‬حفرها‭ ‬في‭ ‬البوادي‭ ‬السورية‭ ‬ويمجها‭ ‬بمستلزمات‭ ‬العيش،‭ ‬مما‭ ‬وفر‭ ‬لها‭ ‬ضرب‭ ‬الميليشيات‭ ‬عبر‭ ‬عمليات‭ ‬كر‭ ‬وفر،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬دفع‭ ‬مسؤولي‭ ‬الميليشيات‭ ‬لتأمين‭ ‬الطرقات‭ ‬لاسيما‭ ‬باتجاه‭ ‬تدمر‭ ‬التي‭ ‬تتلقى‭ ‬فيها‭ ‬ضربات‭ ‬موجعة،‭ ‬بإرسال‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬التعزيزات‭.‬

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى