نديم سمنه يكتب: هل أسعار الساحل الشمالي مبررة حقاً؟
في البداية، يجب التسليم بأن أسعار الساحل ارتفعت لدرجة أن البعض بات يعتبرها أعلى من مثيلاتها في أوروبا. الـ 230 كم من الساحل من مارينا إلى مرسى مطروح حققت مبيعات بقيمة 10.4 مليار دولار (نحو 520 مليار جنيه) في عام 2025، أي ما يعادل ثلث إيرادات كبار المطورين في مصر، و6 أضعاف ما كان عليه الوضع قبل خمس سنوات.
لكن هل هذه الأسعار غير منطقية فعلاً؟ الإجابة تكمن في البيانات، وليس العواطف.
المشكلة: السعر الاعلاني مضلل الأسعار “الصادمة” التي نسمعها (مثل 8-9 ملايين دولار للفيلا) غالباً ما هي لأسعار التقسيط قبل سنوات من التسليم، والمطورين يعرضون خصومات تصل إلى 50% للدفعة النقدية. لذا، سنركز هنا على “أسعار الطلب” الحالية للوحدات المدفوعة بالكامل في السوق الثانوي، كمعيار دقيق للتقييم.
سؤال 1: هل يتفوق الساحل على باقي مصر؟ الإجابة: نعم ولا. تتراوح أسعار المجتمعات المغلقة في الساحل بين 50,000 – 200,000 جنيه/متر (1,000 – 4,000 دولار). هذا النطاق يضاهي أرقام القاهرة الراقية، حيث يبلغ متوسط اغلى مجتمع في غرب القاهرة حوالي 120,000 جنيه/متر (2,400 دولار)، ويصل متوسط سعر مثيله في شرق القاهرة إلى نحو 190,000 جنيه/متر (3,800 دولار). أما البحر الأحمر فهو المتفوّق الحقيقي بلا منازع: الجونة بين 110,000 و250,000 جنيه (2,200-5,000 دولار)، وسوما باي بمتوسط 150,000 جنيه (3,000 دولار).، حيث يعتبر البحر الاحمر منافساً حقيقياً للوجهات الأوروبية نظراً لإمكانية السكن والسياحة طوال العام مع توفر مستوى خدمات عالي.
سؤال 2: هل يتفوق الساحل على أوروبا؟ الإجابة: عند المقارنة بالمثل، الساحل أرخص بكثير.
قد تبدو أسعار الشقق الأوروبية القديمة والمكتظة قريبة من أسعار الساحل، لكن المقارنة غير عادلة. فالمدن الساحلية الأوروبية تعاني من رسوم صيانة وضرائب عقارية مرتفعة، ونقص في الخدمات المجتمعية مقارنة بالمنتجعات المصرية. عند مقارنة منتجع مغلق بمثيله الأوروبي (لوشتيتسا باي في الجبل الأسود بين 7,200 و14,000 دولار، وكوستا نافارينو اليونانية بين 7,000 و18,000 دولار)، نجد أن الأخيرة تسعّر بمعدلات اعلى بكثير من أسعار ارقى منتجعات الساحل.
القيمة الحقيقية: العائد ومعدل الرسملة العامل المخفي في أسعار الساحل هو تضمين قيمة “حق استخدام الشاطئ”، والذي لو تم دفعه كرسوم يومية (كما في أوروبا) لكلف العائلة الواحدة نحو 7,200 دولار (360,000 جنيه) خلال شهري الصيف. هذه القيمة “مخبوزة” داخل سعر العقار. المدفوع
سؤال 3: هل السعر الحالي مبرر؟ الإجابة: السوق مبالغ في تقديره حالياً. يُقدر العائد الحقيقي الخالي من المخاطر حالياً بـ 7.5% إلى 8%. وبناءً على ذلك، يجب أن يكون معدل الرسملة (Cap Rate) العادل للعقارات قريباً من هذه النسبة.
لنأخذ وحدة 3 غرف نوم تُستأجر بـ 25,000 جنيه (500 دولار) لليلة لمدة 60 يوماً. بعد المصاريف، فإن صافي الدخل التشغيلي البالغ 1.35 مليون جنيه (27,000 دولار) يوحي بقيمة عادلة تبلغ حوالي 17.5 مليون جنيه (350,000 دولار). لكن ملاك الوحدات المماثلة المعروضة للبيع حالياً يطلبوا اسعار تتراوح بين 20 – 30 مليون جنيه (400,000 – 600,000 دولار). هذه الأسعار تعني معدلات ربح (Cap Rate) ضعيفة تتراوح بين 4.5% و 6.75%، أي أقل من العائد الخالي من المخاطر! هذا الوضع خلق جموداً في السيولة لا يتحل إلا بضبط الأسعار أو زيادة الإيجارات.
للأسف، يعاني قطاع العقارات بأكمله في مصر من نفس المشكلة: تضخم أسعار الوحدات، واتساع الفجوة السعرية بين ما يطلبه البائعون وما يرغب المشترون في دفعه.
يبدو أن تعميم فصل الانتفاع بالشاطئ عن الملكية كما هو ملاحظ مؤخراً هو الاتجاه القادم: يوفّر على الملّاك رسوم الصيانة مقابل دخل إيجاري مدة أطول خلال العام، ويمنح المطوّرين دخلاً إضافيا يحفزهم على الحفاظ على مستويات عالية للخدمات، ويرفع قيمة الأراضي الداخلية ويسمح هذا بزيادة موارد الدولة، ويمنح السائحين خيارات استضافة أكثر تنوعاً، محوّلاً الساحل تدريجياً إلى وجهة سكنية و سياحية طوال العام.
فماذا سيحدث لأسعار الساحل إذا انخفضت أسعار الفائدة؟ وهل تتحول مناطق “الطيّبة” إلى أسعار “شريرة” مع نضج الساحل، أم العكس؟.


