مؤتمر اتحاد التأمين يضع الوقاية من الحرائق على أجندة حماية الاقتصاد واستدامة الأعمال

250 مشاركًا يناقشون هندسة المخاطر والذكاء الاصطناعي وكود الحريق 2026.. وتوصيات لتطوير الاكتتاب وقواعد بيانات موحدة للحرائق

كتب/ عاطف طلب

اختتم الاتحاد المصري لشركات التأمين فعاليات مؤتمره المتخصص تحت عنوان «أهمية الوقاية من مخاطر الحرائق في حماية الأرواح والممتلكات واستدامة الأعمال»، والذي انعقد يومي 8 و9 سبتمبر 2026 بفندق سانت ريجيس القاهرة، تحت رعاية الهيئة العامة للرقابة المالية، وبمشاركة أكثر من 250 من قيادات وخبراء قطاع التأمين والصناعة وإدارة المخاطر والجهات الحكومية والإعلام.

وشهد المؤتمر حضور الدكتور طارق سيف، نائب رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، ممثلًا عن الدكتور إسلام عزام رئيس الهيئة، إلى جانب الدكتورة هبة السويدي، مؤسس ورئيس مجلس أمناء مؤسسة ومستشفى أهل مصر، والدكتور كمال الدسوقي عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات المصرية، وعدد من قيادات قطاع التأمين والخبراء والمتخصصين.
من التعويض إلى الوقاية
ركز المؤتمر على إعادة تعريف دور التأمين في التعامل مع أخطار الحريق، بحيث لا يقتصر على تعويض الخسائر بعد وقوعها، وإنما يمتد إلى التنبؤ بالمخاطر والوقاية منها وهندستها والسيطرة عليها وتقليل آثارها.
وأكد علاء الزهيري، رئيس الاتحاد المصري لشركات التأمين، أن الوقاية تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الحرائق، مشيرًا إلى أن تأمين الحريق يعد من أقدم وأهم فروع التأمين في السوق المصري.
وأوضح أن الأقساط المباشرة لفرع تأمين الحريق ارتفعت من نحو 1.35 مليار جنيه خلال 2014/2015 إلى نحو 8.27 مليار جنيه في 2023/2024، بزيادة تقارب 511%، بينما ارتفعت التعويضات المباشرة من 749 مليون جنيه إلى نحو 1.53 مليار جنيه خلال الفترة نفسها.

وشدد الزهيري على أن حماية الأرواح والممتلكات مسؤولية مشتركة بين الدولة والقطاع الخاص وشركات التأمين ومؤسسات المجتمع المدني، مشيرًا إلى أهمية التعاون مع مؤسسة أهل مصر في نشر ثقافة الوقاية والتوعية بمخاطر الحروق.
الرقابة المالية: هندسة المخاطر أصبحت ضرورة
وأكد الدكتور طارق سيف أن تطوير سوق التأمين المصري يتطلب التحول من التعامل مع الخسائر بعد وقوعها إلى هندسة الخطر وتعزيز الوقاية والتحكم والتنبؤ بالمخاطر.
وأوضح أن فرع تأمين الحريق يستحوذ على نحو 18% من إجمالي الأقساط المكتتبة بالسوق، بمعدل احتفاظ 42% ومعدل خسائر 37% وفق إحصاءات عام 2025، وهو ما يعكس أهمية تطوير أساليب تقييم وإدارة الأخطار.
ودعا إلى الاستفادة من الذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات والنماذج التنبؤية في تقييم الأخطار، إلى جانب التوسع في المنتجات التأمينية الحديثة والتأمين القائم على المؤشرات، بما يدعم الشمول التأميني ويعزز قدرة السوق على التعامل مع المخاطر المتغيرة.

الصناعة: الوقاية استثمار وليست تكلفة
وأكد الدكتور كمال الدسوقي أن أفضل خسارة هي التي لم تقع من الأساس، داعيًا إلى الانتقال من ثقافة تعويض الخسائر إلى ثقافة الوقاية وإدارة المخاطر.
وشدد على ضرورة الالتزام باشتراطات السلامة منذ مرحلة تصميم المنشآت، وتوفير مخارج الطوارئ، وأنظمة الإنذار والإطفاء، والصيانة الدورية والتدريب المستمر، مع تشجيع المنشآت على الاستثمار في وسائل الحماية وربط تكلفة التأمين بدرجة الخطر ومستوى الالتزام باشتراطات السلامة.

«أهل مصر»: الوقاية تبدأ قبل وقوع الحادث
واستعرضت الدكتورة هبة السويدي جهود مؤسسة ومستشفى أهل مصر في الوقاية من الحروق والتوعية بمخاطرها، مؤكدة أن المواجهة الفعالة للحروق تتطلب منظومة تبدأ بالتشريع والرقابة والتوعية والوقاية، ولا تنتهي عند العلاج والتأهيل.
كما تناولت جهود المؤسسة في التوعية بمخاطر المواد الكاوية، وأهمية تنظيم تداولها ورفع مستوى الوعي بطرق التعامل الآمن معها، إلى جانب عرض نماذج واقعية توضح الآثار الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية لحوادث الحروق.
جلسات متخصصة تكشف أسباب تحول الحريق إلى كارثة
ناقشت جلسات المؤتمر عددًا من المحاور الفنية المتخصصة، من بينها الحد من آثار الحرائق، وتسوية المطالبات الكبرى، وتحليل الحوادث، وهندسة المخاطر، والشراكة بين التأمين والصناعة والحماية المدنية، إلى جانب مستقبل فرع تأمين الحريق.
واستعرض المهندس ماركو دي تيتزيو، كبير مهندسي أخطار تأمينات الممتلكات والأخطار الخاصة بشركة Swiss Re، منظومة الحماية المتكاملة التي تقوم على أربعة محاور رئيسية: العنصر البشري، والحماية النشطة، والحماية السلبية، واستمرارية الأعمال.
وأكد أن تحول الحريق المحدود إلى خسارة كبرى يرتبط غالبًا بفشل أكثر من طبقة من طبقات الحماية، مشددًا على أهمية سرعة الاكتشاف والسيطرة والاحتواء ثم التعافي.
كما تناول الأستاذ حاتم إسماعيل، خبير تسوية الخسائر، إدارة المطالبات الكبرى بعد الحريق، مؤكدًا أهمية الساعات الأولى للحادث، وسرعة الإبلاغ، ودقة حصر المخزون والأصول، والاستعانة بالخبراء المتخصصين، واتخاذ إجراءات الحد من الخسائر واستعادة النشاط.

الحوادث الكبرى تكشف تكلفة إهمال الوقاية
وشهدت إحدى الجلسات عرض حالات عملية لحوادث حرائق كبرى، قدمها الدكتور المهندس سامي مراد، أستاذ كلية الهندسة بجامعة القاهرة وخبير المعاينة وتقدير الأضرار.
وأظهرت الحالات أن أسباب الخسائر الكبرى لا ترتبط فقط بنقطة اشتعال الحريق، وإنما بعوامل متداخلة تشمل ضعف أنظمة الكشف والإنذار، وعدم كفاية وسائل الإطفاء، وسوء التخزين، وأخطاء التصميم والصيانة.
وفي إحدى الحالات، ارتفعت المطالبة التأمينية من حريق في ماكينة بقيمة 10 ملايين جنيه إلى أكثر من 223.9 مليون جنيه، بينما بلغت المطالبة في حالة أخرى بأحد مصانع الشاشات الإلكترونية نحو 294.9 مليون جنيه، بما يعكس الفارق الكبير الذي يمكن أن تصنعه إجراءات الوقاية والاكتشاف المبكر.

إعادة التأمين يراقب جودة إدارة الخطر
وأكد جمال صقر، المدير الإقليمي للشركة الأفريقية لإعادة التأمين، أن الخسائر الكبرى تمثل اختبارًا حقيقيًا لجودة الاكتتاب وإدارة المخاطر والمطالبات.
وأوضح أن معيد التأمين يهتم بدقة بيانات الخطر، وكفاءة وسائل الحماية، وسرعة الإبلاغ، وجودة التحقيقات الفنية، ودقة تقدير المخصصات والخسائر، مؤكدًا أن تكرار المطالبات الكبرى قد يؤدي إلى إعادة النظر في الأسعار والشروط والطاقة الاستيعابية مستقبلًا.

من جانبه، أكد المهندس محمد فتحي، المدير الإقليمي لشركة RMC بدبي واستشاري إدارة وهندسة الخطر، أن الاعتماد على البيانات التاريخية وحدها لم يعد كافيًا في ظل التغيرات المناخية وتعقد سلاسل الإمداد والتطور التكنولوجي، داعيًا إلى تبني منهج استشرافي في تقييم الأخطار يعتمد على الهندسة والبيانات والتكنولوجيا.

51 ألف حريق في مصر خلال 2025
وفي جلسة «الشراكة بين شركات التأمين والقطاع الصناعي والجهات الحكومية»، كشف خالد عبد الصادق، العضو المنتدب لشركة المهندس للتأمين ونائب رئيس الاتحاد، عن تسجيل نحو 51 ألف حادث حريق في مصر خلال 2025، بزيادة 8.7% عن العام السابق، وبمتوسط 140 حادثًا يوميًا.
وأشار إلى تسجيل 533 حريقًا داخل المصانع، بزيادة 15%، مؤكدًا أن مواجهة الظاهرة تتطلب تكاملًا بين التأمين والصناعة والحماية المدنية والجهات التنظيمية.
كما أكد أهمية ربط إجراءات الوقاية بالحوافز التأمينية وتشجيع المنشآت على الاستثمار في أنظمة الحماية والسلامة.
كود الحريق 2026 وخطط لتوفيق أوضاع المنشآت
واستعرض الدكتور أحمد مدحت أحدث توجهات كود الحريق المصري لعام 2026، موضحًا أن الكود يمثل الحد الأدنى من اشتراطات السلامة، مع مراعاة اختلاف طبيعة الأنشطة ومستويات المخاطر.
وأشار إلى إمكانية وضع استراتيجيات حريق مخصصة للمنشآت القائمة قبل صدور الكود، مع تنفيذ خطط مرحلية لتوفيق الأوضاع على مدى 3 إلى 5 سنوات، إلى جانب التوسع في إنشاء محطات إطفاء ومضخات مركزية مشتركة بالمناطق الصناعية.

الحماية المدنية: الدقائق الأولى تحسم المواجهة
ناقشت الجلسة الخامسة آليات مكافحة الحرائق، بمشاركة المهندس أحمد الشيخ، واللواء نادر نعمان، والمقدم كيميائي حسين الشربيني، والمقدم مهندس أحمد مجدي.
وأكد المشاركون أن الدقائق الأولى من اندلاع الحريق تمثل عاملًا حاسمًا في السيطرة عليه، مع ضرورة توافر أجهزة الإطفاء المناسبة وتدريب العاملين ورفع الوعي بإجراءات الطوارئ.
كما تناولت الجلسة المخاطر المستحدثة، وفي مقدمتها السيارات الكهربائية وبطاريات الليثيوم، ومسارات الكابلات الرأسية، ومواد البناء والكسوات القابلة للاشتعال.
واستعرض المقدم كيميائي حسين الشربيني دور الأدلة الجنائية في تحديد نقطة بداية الحريق وأسبابه من خلال الفحص الفني وإعادة بناء مسرح الحادث، بينما تناول المقدم مهندس أحمد مجدي تطور منظومة الحماية من الحرائق وأهمية تحديث الأكواد والصيانة والتدريب واستخدام المحاكاة الهندسية.

مستقبل تأمين الحريق: ذكاء اصطناعي وبيانات واكتتاب أكثر دقة
خصص المؤتمر جلسته الأخيرة لمناقشة الرؤية المستقبلية لفرع تأمين الحريق، بمشاركة أيمن مأمون، وطارق أنور، والدكتور رضا فتحي، وهاني صبري.
وأكد المشاركون أهمية الانتقال إلى نموذج أكثر استباقية يقوم على هندسة المخاطر والبيانات والتكنولوجيا واستمرارية الأعمال، مع تطوير قواعد الاكتتاب والتسعير وربطها بجودة الخطر ومستوى الالتزام بالسلامة.
كما تم التأكيد على أهمية استخدام الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء وأجهزة الاستشعار والتصوير الحراري في مراقبة المخاطر واكتشافها مبكرًا، إلى جانب تطوير آليات التعامل مع المخاطر الجديدة المرتبطة بالطاقة الشمسية والمخازن عالية الكثافة وبطاريات الليثيوم.

توصيات تتجاوز التعويض إلى بناء منظومة وقاية
وخلص المؤتمر إلى مجموعة من التوصيات، تضمنت وضع نظام عمل موحد ومتكامل للوقاية من الحرائق، ورفع كفاءة مكتتبي تأمين الحريق في التعامل مع كود 2026، وتدريب المهندسين والفنيين على أحدث أساليب تقييم المخاطر.
كما أوصى بتعزيز مشاركة الخبرات التأمينية في تطوير أكواد الحماية، وإنشاء قاعدة بيانات موحدة لحوادث الحرائق تتضمن أسباب الحوادث وتوقيتها وحجم الخسائر والظروف المحيطة بها، بما يسمح بتحليل الأنماط المتكررة ودعم القرارات الوقائية.
وشملت التوصيات كذلك إعداد دليل استرشادي للمعايير الهندسية للمنشآت مرتفعة المخاطر، وتعزيز التعاون مع الجامعات المصرية لتأهيل كوادر متخصصة في معاينة وتقييم أخطار الحريق، إلى جانب توسيع الشراكات مع الحماية المدنية واتحاد الصناعات وجمعيات المستثمرين ومؤسسة أهل مصر.
وأكد المؤتمر أهمية دمج الوقاية من الحرائق ضمن مبادئ الاستدامة واستمرارية الأعمال، وتشجيع المنشآت على الالتزام بالمعايير البيئية والحصول على شهادات الجودة والامتثال ذات الصلة.

«صالحة».. الوجه الإنساني للمؤتمر
وعلى هامش الفعاليات، أقيم معرض لمنتجات برنامج «صالحة» الذي تنفذه مؤسسة أهل مصر للتنمية لدعم وتمكين الناجين والمتعافين من الحروق.
وعكس المعرض قدرات المستفيدين على الإنتاج وتحويل مهاراتهم إلى فرص اقتصادية، بما يدعم استقلالهم ويعزز اندماجهم في المجتمع، ويؤكد أن مواجهة آثار الحرائق لا تقتصر على حماية الممتلكات، وإنما تمتد إلى حماية الإنسان وإعادة بناء قدرته على الحياة والعمل والإنتاج.

واختتم المؤتمر بتكريم المتحدثين تقديرًا لجهودهم في إعداد وتقديم المادة العلمية، كما وجه اتحاد شركات التأمين المصرية الشكر لوزارة الداخلية وقطاعي الحماية المدنية والأدلة الجنائية على مشاركتهم الفعالة.

وفي النهاية، خرج المؤتمر برسالة واضحة: التأمين لا يجب أن ينتظر الحريق حتى يدفع التعويض، بل عليه أن يكون شريكًا في منع الخطر قبل وقوعه، وهو ما يجعل الوقاية وهندسة المخاطر والبيانات والتكنولوجيا ركائز أساسية لمستقبل صناعة التأمين واستدامة الاقتصاد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى