السفير الدكتور علي صالح موسى: نشأة الجامعة العربية أكبر حدث في التاريخ العربي المعاصر
كتبت/ هالة شيحة
أكد السفير الدكتور علي صالح موسى القائم بأعمال مندوب اليمن السابق لدى الجامعة العربية ، أن نشأة جامعة الدول العربية لم تكن حدثًا عابرًا، وإنما جاءت تتويجًا لمسار طويل من محاولات العرب لتحقيق الوحدة والتضامن، في ظل التحولات الكبرى التي شهدها العالم العربي عقب الحربين العالميتين الأولى والثانية.
وأوضح موسى، في قراءة تاريخية ضمن سلسلة مقالات لكتاب قيد الإصدار، أن قيام الجامعة العربية في 22 مارس 1945 مثّل أول كيان عربي رسمي يجسّد إرادة عربية مشتركة، مشيرًا إلى أن ميثاق الجامعة جرى توقيعه في قصر الزعفران بالقاهرة، بعد إقرار صيغته النهائية من اللجنة التحضيرية التي ضمت مصر وسوريا والعراق ولبنان والسعودية وشرق الأردن واليمن.
وأشار إلى أن اختيار اسم «جامعة الدول العربية» شهد نقاشًا بين الدول المؤسسة، حيث طُرحت أسماء عدة، من بينها «التحالف العربي» و«الاتحاد العربي»، قبل الاستقرار على الاسم الحالي باعتباره الأكثر ملاءمة من الناحيتين اللغوية والسياسية والأكثر تعبيرًا عن أهداف الدول العربية.
وأكد أن الجامعة، بصرف النظر عن تقييم مراحل عملها وما حققته من إنجازات أو ما واجهته من إخفاقات، تظل «أكبر حدث في التاريخ العربي المعاصر»، باعتبارها تجسيدًا لإرادة الأمة العربية في إقامة إطار مؤسسي للعمل المشترك.
إرهاصات الوحدة العربية :
ولفت موسى إلى أن فكرة الكيان العربي الواحد سبقت تأسيس الجامعة بعقود، مستشهدًا برسالة الأمير عبد العزيز آل سعود عام 1912، التي طرح فيها تصورًا لعقد مؤتمر يجمع رؤساء العرب، بهدف بحث مستقبل البلاد العربية، سواء عبر إقامة كتلة سياسية واحدة يرأسها حاكم واحد، أو عبر قيام ولايات عربية مستقلة إداريًا ترتبط فيما بينها بمصالح ومؤسسات مشتركة.
واعتبر أن هذه الرسالة تكشف مبكرًا عن تطلع عربي إلى بناء كيان سياسي موحد أو اتحاد عربي يقوم على المصالح المشتركة والتضامن.
وأضاف أن الحرب العالمية الأولى عمّقت النقاش حول مستقبل المنطقة، فانقسم القادة العرب بين من تمسك بالولاء للدولة العثمانية خشية الأطماع الأوروبية، ومن انحاز إلى الحلفاء أملاً في التخلص من سياسة «تتريك» البلاد العربية وتحقيق الاستقلال.
وأشار إلى أن المفاوضات مع الدولة العثمانية تطورت إلى طرح أفكار للحكم الذاتي والفيدرالية العربية التركية، في حين شكّلت مراسلات الشريف حسين – مكماهون محورًا رئيسيًا للمفاوضات العربية مع الحلفاء، وتضمنت وعودًا بالحرية والاستقلال وحق العرب في تقرير مصيرهم.
وعود الحلفاء وتقسيم المنطقة
ويرى موسى أن تلك الوعود لم تصمد أمام المصالح الاستعمارية، بعدما أقدمت فرنسا وبريطانيا على تقسيم المنطقة وفق اتفاقية سايكس–بيكو السرية عام 1916، وهو ما انتهى إلى إجهاض مشروع الكيان العربي الذي كان قد برز خلال الحرب العالمية الأولى.
ويستشهد في هذا السياق بسقوط التجربة العربية في دمشق عام 1920، عندما دخلت القوات الفرنسية العاصمة، لتنتهي تجربة المملكة العربية التي قادها الملك فيصل.
الحرب العالمية الثانية وتجدد مشروع الوحدة
وينتقل موسى إلى مرحلة الحرب العالمية الثانية، موضحًا أن فكرة الوحدة العربية عادت لتحتل موقعًا متقدمًا في النقاش السياسي العربي، مستشهدًا بمشروع رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد الذي طرحه عام 1943 في مذكرة حملت عنوان «استقلال العرب ووحدتهم».
وأوضح أن المذكرة، التي عُرفت لاحقًا باسم «الكتاب الأزرق» بسبب لون غلافها، تضمنت تصورًا لإقامة كيان عربي أوسع، بدأ باسم «الكومنولث العربي» ثم عُرف بمشروع «الهلال الخصيب»، ودعا إلى إعادة توحيد سوريا ولبنان وشرق الأردن في دولة واحدة، وإنشاء رابطة عربية تنضم إليها الدول العربية تباعًا.
ويخلص موسى إلى أن تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945 جاء في سياق تاريخي طويل من المحاولات والمشروعات والتصورات الرامية إلى تحقيق وحدة العرب، ليشكّل الانتقال من حلم الوحدة إلى إطار مؤسسي عربي جامع، رغم ما واجهته مسيرتها اللاحقة من تحديات واختلافات في الرؤى والمواقف.



