أمير عيد وبوب ديلان… الأغنية حين تصبح سيرة شعب

كتب / وائل الريس

ليست الأغنية العظيمة تلك التي تُرددها الجماهير، بل تلك التي تعيد تشكيل الطريقة التي ترى بها الجماهير نفسها.
هذه الحقيقة هي المدخل الأنسب لقراءة تجربتين تبدوان، للوهلة الأولى، متباعدتين جغرافيًا وتاريخيًا: تجربة الأمريكي بوب ديلان، وتجربة المصري أمير عيد. فالمسافة بين نيويورك الستينيات والقاهرة بعد الألفية الجديدة ليست مجرد اختلاف في المكان والزمن، بل اختلاف في البنية السياسية والاجتماعية والثقافية. ومع ذلك، فإن التجربتين تلتقيان عند سؤال واحد: هل يمكن للأغنية أن تكون فعلًا ثقافيًا يتجاوز الترفيه؟
الإجابة التي يقدمها تاريخ الفنانين تبدو واضحة: نعم.

لكنها ليست إجابة تأتي من الموسيقى وحدها، بل من الكلمة، ومن العلاقة التي أقاماها مع المجتمع، ومن قدرتهما على تحويل التجربة الفردية إلى ذاكرة جمعية.
لقد اعتاد النقد الموسيقي العربي، طويلًا، أن يقيس قيمة المغني بمقدار ما يملكه من إمكانات صوتية، وكأن الأغنية منافسة في الأداء لا مشروع فكري وجمالي. ولهذا لم يكن غريبًا أن يتعرض بوب ديلان في بداياته لانتقادات بسبب صوته الخشن، كما تعرض أمير عيد لانتقادات مشابهة لأنه لم ينتمِ إلى المدرسة الطربية التقليدية. غير أن التاريخ أنصف الاثنين؛ إذ أثبت أن الصوت، مهما بلغت جودته، يظل وسيلة، بينما تبقى الفكرة هي الغاية.

 

إن أعظم ما فعله بوب ديلان أنه نقل مركز الثقل في الأغنية من الحنجرة إلى النص. لم يعد المستمع ينتظر الطبقة العالية أو الزخرفة اللحنية، بل أصبح ينتظر الجملة التي تهزه فكريًا، أو الصورة الشعرية التي تكشف له العالم بطريقة مختلفة. ومن هنا جاءت مكانته بوصفه شاعرًا يكتب بالموسيقى، أكثر من كونه مطربًا يغني القصائد. وقد تجسد هذا المشروع عبر مسيرة امتدت لأكثر من ستة عقود، بدأت بأغاني الاحتجاج، ثم انتقلت إلى الروك، قبل أن تُتوَّج باعتراف أدبي عالمي مع حصوله على جائزة نوبل.
وفي المقابل، لا يمكن فهم تجربة أمير عيد إذا تعاملنا معها بوصفها مجرد تجربة لفرقة روك مصرية. فالرجل، منذ بدايات “كايروكي”، كان يكتب ما يشبه اليوميات العاطفية لجيل كامل. لم يكن منشغلًا بإنتاج أغنية جماهيرية سريعة الاستهلاك، بل بتسجيل الحالة النفسية والاجتماعية لجيل يعيش بين الإحباط والرغبة في التغيير، وبين الانتماء والاغتراب.
وهنا تتجلى نقطة الالتقاء الحقيقية بين الفنانين.

فكل منهما أدرك، بطريقته الخاصة، أن الأغنية ليست وصفًا للواقع، بل مشاركة في تشكيله.
عندما غنى ديلان عن الحرية، لم يكن يصف حركة اجتماعية فحسب، بل كان يمنحها لغة. وعندما كتب أمير عيد عن القلق، والهوية، والوحدة، لم يكن يسجل مشاعر شخصية، بل كان يصوغ القاموس العاطفي لجيل كامل وجد نفسه في تلك الكلمات.
ومن الناحية الموسيقية، فإن التحول الذي شهده كل منهما يكشف فهمًا عميقًا لمعنى التطور الفني.
لقد ارتبط اسم ديلان في بداياته بالفولك، لكن انتقاله إلى الروك الكهربائي عام 1965 لم يكن مجرد تغيير في الآلات، بل إعلانًا فلسفيًا بأن الفنان لا ينبغي أن يتحول إلى أسير لتوقعات جمهوره. لقد كانت تلك اللحظة، في جوهرها، انتصارًا لفكرة الحرية الإبداعية على قداسة القوالب الموسيقية.

والأمر ذاته يمكن ملاحظته في تجربة أمير عيد مع “كايروكي”. فالفرقة لم تتوقف عند الروك البديل، بل اتجهت تدريجيًا إلى مزج الروك بالإلكترونيك، والهيب هوب، والإيقاعات الشرقية، دون أن تفقد هويتها التعبيرية. إن هذا التطور لا يعكس رغبة في مسايرة السوق، بقدر ما يعكس إيمانًا بأن الشكل الموسيقي يجب أن يتغير كلما تغيرت الأسئلة التي يطرحها الفنان على نفسه وعلى جمهوره.

ومع ذلك، فإن المقارنة بين الفنانين تصبح مضللة إذا أُخذت إلى نهايتها المنطقية.
فبوب ديلان يكتب داخل تقليد أدبي غربي يقوم على الرمز، والإحالة، والتناص مع النصوص الدينية والفلسفية والأسطورية، بينما يكتب أمير عيد داخل تقليد شفهي مصري يعتمد على الاقتصاد اللغوي، والاعتراف المباشر، والإيقاع اليومي للعامية.
هذه ليست مفاضلة بين مستويين من الكتابة، بل هي اختلاف بين وظيفتين ثقافيتين.
الأولى تسعى إلى إنتاج نص متعدد الطبقات التأويلية.
والثانية تسعى إلى بناء علاقة وجدانية مباشرة مع المتلقي.
ولهذا فإن محاولة قياس أحدهما بمعايير الآخر ليست سوى خطأ منهجي في النقد.
ومن أكثر الأخطاء شيوعًا في استقبال تجربة أمير عيد وصفه بأنه “بوب ديلان العرب”. فهذه العبارة، رغم حسن نيتها، تختزل التجربتين معًا.

فديلان لم يصبح ديلان لأنه يشبه أحدًا، وأمير عيد لا يكتسب قيمته لأنه يشبه ديلان.
إن القيمة الحقيقية لكل منهما تنبع من خصوصية السياق الذي تشكل فيه.
فإذا كان ديلان قد أعاد تعريف الأغنية الأمريكية في القرن العشرين، فإن أمير عيد أعاد، بطريقته الخاصة، تعريف الأغنية البديلة في مصر والعالم العربي، وجعلها مساحة للنقاش النفسي والاجتماعي، لا مجرد لون موسيقي موجه إلى جمهور محدود.
واللافت أن كليهما انتقل مع الزمن من الحديث عن المجتمع إلى الحديث عن الإنسان.
فبينما بدأت أغاني ديلان من قضايا الاحتجاج والحقوق المدنية، اتجه لاحقًا نحو التأمل في الزمن، والموت، والذاكرة.
وكذلك انتقلت تجربة أمير عيد من الأغاني ذات الطابع الاحتجاجي إلى نصوص أكثر هدوءًا، تناقش الاكتئاب، والاغتراب، والتعافي، والأسئلة الوجودية التي يواجهها الإنسان المعاصر. وهذا التطور لا يمثل تراجعًا عن القضايا العامة، بل انتقالًا من السياسة إلى الإنسان، ومن الحدث إلى أثره النفسي.

إن الأثر الثقافي لأي فنان لا يقاس بعدد الجوائز ولا بحجم المبيعات، بل بقدرته على تغيير الذائقة.
وبهذا المعنى، نجح بوب ديلان في جعل الأغنية نصًا أدبيًا مشروعًا، بينما نجح أمير عيد في منح الأغنية المستقلة شرعية جماهيرية، دون أن تتخلى عن صدقها أو أسئلتها.
وهذا، في تقديري، هو الإنجاز الأهم لكليهما.
لقد أثبتا أن الأغنية لا تحتاج إلى صوت استثنائي كي تبقى، وإنما تحتاج إلى فكرة لا يلتهمها الزمن.
فالأغنيات التي تعيش ليست تلك التي تتصدر قوائم الاستماع، بل تلك التي يجد الناس أنفسهم يعودون إليها كلما تغير العالم من حولهم.

وهنا تكمن المفارقة الجميلة؛ فبعد مرور أكثر من ستين عامًا على بدايات بوب ديلان، وما يزيد على عقدين من مشروع أمير عيد و”كايروكي”، لا تزال أعمالهما تُستدعى كلما حاول جيل جديد أن يفهم نفسه.
وهذه، في النهاية، هي الوظيفة الأسمى للفن.
أن يمنح الإنسان لغةً يفسر بها حياته.
وأن يمنح المجتمع ذاكرةً لا تكتبها كتب التاريخ وحدها، بل تكتبها أيضًا الأغنيات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى