بمشاركة باحث بجامعة ترييستى….محاضرة دولية بالرباط تستعرض فكر رينيه غينون وتبرز مكانة التصوف الإسلامي في مواجهة الحداثة

كتبت / هالة شيحة
سلطت محاضرة أكاديمية نظمها مركز “إكليل” بالعاصمة المغربية الرباط الضوء على حياة وأعمال المفكر الفرنسي رينيه غينون، أحد أبرز منظري الفكر التقليدي في القرن العشرين، حيث تناولت مسيرته الفكرية ومنهجه في دراسة التراث الروحي، مع إبراز رؤيته النقدية للحداثة الغربية ودفاعه عن الموروثات الدينية الأصيلة.
وخلال المحاضرة، التي قدمها الباحث الإيطالي فيديريكو سالفاجيو، أستاذ بجامعة ترييستي، أوضح أن رينيه غينون لم يكن يعتبر نفسه فيلسوفًا بالمعنى الحديث، بل كان يرى أنه ناقل ومفسر لما وصفه بـ”العقائد التقليدية” ذات المصدر الإلهي، مؤكدًا أن مفهوم “التقليد” لديه لا يقتصر على العادات والتقاليد الاجتماعية، وإنما يشير إلى المعرفة المقدسة التي انتقلت عبر الأجيال من خلال سلاسل روحية متصلة.
وتناولت المحاضرة أبرز محطات حياة غينون، الذي ولد في فرنسا عام 1886، قبل أن ينتقل إلى القاهرة عام 1930، حيث أعلن انتماءه للإسلام واتخذ اسم “عبد الواحد يحيى”، وتزوج من أسرة أزهرية، وأقام في مصر حتى وفاته عام 1951، بينما كتب خلالها معظم مؤلفاته التي تناولت الفلسفة التقليدية والتصوف الإسلامي والنقد الحضاري للغرب.
وأشار المحاضر إلى أن غينون انضم للطريقة الشاذلية عام 1910 على يد الرسام السويدي إيفان أغييلي، الذي اعتنق الإسلام، لافتًا إلى أن المفكر الفرنسي رأى في التصوف الإسلامي أحد أهم مسارات المعرفة الروحية الأصيلة، كما خصص جانبًا كبيرًا من كتاباته لنقد الحركات الباطنية والتيارات الروحية المنحرفة التي انتشرت في أوروبا مطلع القرن العشرين.
وأوضح أن غينون اعتبر الأزمة التي يعيشها الغرب ليست أزمة سياسية أو اقتصادية فحسب، بل هي “أزمة معنى” نتجت عن القطيعة مع المبادئ الميتافيزيقية والقيم الروحية، منتقدًا هيمنة النزعة المادية، والإيمان المطلق بالتقدم التقني، وتحويل النجاح المادي إلى معيار وحيد للحياة، على حساب البعد الروحي للإنسان.
وأكدت المحاضرة أن غينون دعا إلى العودة إلى المبادئ الروحية المشتركة بين الأديان والتقاليد الأصيلة، موضحًا أن مفهوم “الشرق” في فكره لا يعبر عن موقع جغرافي، بل عن منظومة حضارية تقوم على المعرفة الميتافيزيقية والنظام الاجتماعي التقليدي وسلاسل التربية الروحية. وفي هذا السياق، اعتبر الباحث أن المغرب يمثل نموذجًا بارزًا لاستمرار هذا التراث من خلال مؤسسة إمارة المؤمنين والطرق الصوفية ذات الأسانيد المتصلة.
كما استعرضت المحاضرة منهج غينون في تحليل المصطلحات، موضحة أنه سعى إلى إعادة المفاهيم الدينية والفلسفية إلى معانيها الأصلية، مع التمييز بين مفاهيم مثل “العقل” و”الروح”، و”الميتافيزيقا” و”علم الكلام”، و”التقليد” و”الدين”، معتبرًا أن تصحيح اللغة يعد مدخلًا لإعادة بناء الفكر واستعادة الفهم الصحيح للمعرفة الروحية.



