هل تصبح بورسعيد عاصمة اللوجستيات الأفريقية؟

إعداد: الباحثة و المحللة اللوجستية ومدرب معتمد من الفياتا دكتورة نوران الرجال
في سباق إعادة تشكيل خريطة التجارة العالمية، لم تعد المنافسة بين الدول تقوم فقط على امتلاك الموانئ، بل على القدرة على بناء منظومة لوجستية متكاملة تربط النقل البحري السككي والبري، والمناطق الصناعية، والخدمات الرقمية، وسلاسل الإمداد، وفي هذا السياق، تبرز بورسعيد كواحدة من أكثر المدن المصرية المؤهلة للعب دور يتجاوز كونها مدينة ساحلية أو ميناء محوريا، لتتحول إلى مركز لوجستي يخدم القارة الأفريقية بأكملها.
الملتقى الذي نظمته الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري تحت عنوان “منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (AFCFTA)، دور النقل واللوجستيات في تعزيز التكامل الاقتصادي وتحقيق النمو المستدام في أفريقيا” لم يكن مجرد فعالية أكاديمية، بل حمل رسائل اقتصادية مهمة حول مستقبل موقع بورسعيد في منظومة التجارة الإقليمية.
وتمثل اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA) أكبر منطقة تجارة حرة في العالم من حيث عدد الدول المشاركة، وتستهدف زيادة التجارة البينية الأفريقية وخفض الحواجز الجمركية وتحسين حركة السلع والخدمات.
لكن نجاح الاتفاقية لا يعتمد على القرارات السياسية وحدها، بل يحتاج إلى بنية لوجستية قادرة على نقل البضائع بسرعة وتكلفة تنافسية، وهنا تظهر أهمية المدن المينائية القادرة على التحول إلى مراكز للتوزيع وإعادة التصدير، وهو الدور الذي يمكن أن تلعبه بورسعيد.
وتمتلك المدينة مجموعة من المقومات التي يصعب اجتماعها في موقع واحد، أبرزها:
موقعها المباشر على المدخل الشمالي لقناة السويس، أحد أهم الممرات البحرية العالمية
وجود ميناء شرق بورسعيد، الذي أصبح من أكبر موانئ الحاويات في شرق المتوسط
ارتباطها بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي تستهدف جذب الصناعات التصديرية والخدمات اللوجستية
قربها من الأسواق الأوروبية والشرق الأوسط وأفريقيا
توسع الدولة في شبكات الطرق و الأنفاق والسكك الحديدية التي تربط الميناء بمختلف أنحاء الجمهورية
هذه العناصر تجعل بورسعيد مؤهلة لأن تكون نقطة تجميع وتوزيع للبضائع المتجهة إلى الأسواق الأفريقية، وليس مجرد ميناء لعبور السفن
فما يميز الملتقى الأخير هو أنه لم يقتصر على مناقشة السياسات، بل ربط بين التعليم وسوق العمل من خلال معرض الشركات وتوقيع بروتوكولات التدريب والتوظيف، وهذه خطوة بالغة الأهمية، لأن صناعة اللوجستيات الحديثة تعتمد على الكفاءات البشرية بقدر اعتمادها على البنية التحتية، إدارة الموانئ الذكية، وسلاسل الإمداد، والتحول الرقمي، وتحليل البيانات، كلها أصبحت تخصصات رئيسية في الاقتصاد العالمي.
إن وجود الأكاديمية العربية في بورسعيد يمنح المدينة ميزة إضافية تتمثل في توفير كوادر مؤهلة قادرة على تشغيل المنظومة اللوجستية وفق المعايير الدولية، وحمل حضور محافظ شمال سيناء رسالة مهمة، وهي أن مستقبل اللوجستيات في شرق مصر لن يبنى داخل محافظة واحدة، و إنما من خلال تكامل إقليم قناة السويس بالكامل.
الموانئ، والمناطق الصناعية، وشبكات الطرق، والمراكز اللوجستية، والمناطق الاقتصادية، تمثل حلقات في منظومة واحدة، وكلما ارتفع مستوى التكامل بينها، ازدادت قدرة مصر على جذب الاستثمارات وتحويل موقعها الجغرافي إلى قيمة اقتصادية حقيقية.
ورغم كل هذه المقومات، فإن الطريق نحو أن تصبح بورسعيد “عاصمة اللوجستيات الأفريقية” لا يزال يتطلب العمل على عدة محاور، منها:
استكمال التحول إلى الموانئ الذكية
تبسيط الإجراءات الجمركية والرقمية
زيادة الاستثمارات في المخازن والمناطق اللوجستية
تحسين الربط متعدد الوسائط بين البحر والسكك الحديدية والطرق
التوسع في خدمات القيمة المضافة مثل التعبئة والتغليف وإعادة التصدير والتصنيع الخفيف
كما أن المنافسة ستكون مع مراكز إقليمية قوية مثل طنجة المغربية، وجيبوتي، و ديربان في جنوب أفريقيا، وهي موانئ قطعت شوطاً كبيراً في جذب خطوط الملاحة العالمية، فإذا نجحت مصر في استثمار التطوير الضخم الذي شهدته موانئها خلال السنوات الأخيرة، مع استكمال منظومة النقل متعدد الوسائط، وتفعيل اتفاقية التجارة الحرة الأفريقية، فإن بورسعيد لن تكون مجرد ميناء ناجح، بل يمكن أن تتحول إلى بوابة رئيسية للتجارة بين أفريقيا وأوروبا وآسيا.
المؤشرات الحالية تؤكد أن الدولة تسير في هذا الاتجاه؛ التوسع في الموانئ، وتطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وربط الصناعة بالخدمات اللوجستية، والاستثمار في الكوادر البشرية، كلها عناصر تصب في هدف واحد: بناء مركز لوجستي إقليمي قادر على المنافسة.
والسؤال اليوم لم يعد: هل تمتلك بورسعيد المقومات؟ فالإجابة تبدو واضحة، السؤال الحقيقي هو: هل تستطيع تحويل هذه المقومات إلى منظومة تشغيل متكاملة تحقق القيمة المضافة وتجذب حركة التجارة الأفريقية؟
إذا استمرت وتيرة التطوير الحالية، مع تعزيز التكامل بين الحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية، فإن بورسعيد قد لا تصبح فقط عاصمة اللوجستيات في مصر، بل واحدة من أهم العواصم اللوجستية في أفريقيا خلال العقد المقبل



