المهندس/ عبد الرحمن عبدالله الصلاحي يكتب: 30 يونيو.. عندما أستعادت مصر الدولة وأستعاد العرب ركيزة الاستقرار
نائب المدير الإقليمي بالقاهرة لمركز البحر الأحمر للدراسات السياسية والأمنية بالجمهورية اليمنية

يصعب على أي باحث في الشؤون العربية أن يتناول التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال العقد الماضي دون أن يتوقف مطولًا أمام ثورة الثلاثين من يونيو 2013 في جمهورية مصر العربية. والتي أعادت تثبيت مفهوم الدولة الوطنية في واحدة من أهم الدول العربية وأكثرها تأثيرًا في معادلات الأمن والاستقرار الإقليمي.
ومن موقع المتابع للشأن العربي، والباحث القادم من اليمن الذي عايش عن قرب تداعيات إنهيار مؤسسات الدولة في عدد من البلدان العربية، أجد أن أهمية 30 يونيو تتجاوز حدود الجغرافيا المصرية؛ إذ أرتبطت بنتائج أنعكست على مجمل البيئة الإستراتيجية العربية، في مرحلة كانت المنطقة تواجه خلالها موجة غير مسبوقة من الإضطرابات السياسية والأمنية.
ففي عام 2013، كانت المنطقة العربية تعيش حالة من السيولة السياسية الحادة. فقد دخلت دول عربية عديدة في دوائر من الصراعات الداخلية، فيما كانت التنظيمات المتطرفة تسعى لإستغلال هشاشة المؤسسات الوطنية وتراجع سلطة الدولة في عدد من الأقطار العربية. وفي تلك اللحظة التاريخية الدقيقة، خرج ملايين المصريين في مختلف المحافظات مطالبين بالحفاظ على هوية الدولة الوطنية ومسارها التاريخي ومؤسساتها الدستورية.
وتشير تقديرات عديدة، من بينها ما أوردته وسائل إعلام دولية وتقارير متابعة محلية آنذاك، إلى أن مشهد 30 يونيو كان من أكبر الحشود الشعبية في التاريخ المعاصر، الأمر الذي منح الحدث بعد سياسي وإستراتيجي إستثنائي، وجعله محل إهتمام ومتابعة من مختلف العواصم الإقليمية والدولية.
لقد أثبتت التجربة التاريخية أنى جمهورية مصر العربية ليست دولة عادية في محيطها العربي. فمنذ ثورة 23 يوليو 1952م، مرورًا بحرب أكتوبر 1973م، وصولًا إلى أدوارها المتعاقبة في دعم القضايا العربية، ظلت القاهرة تمثل أحد الأعمدة الرئيسية للنظام الإقليمي العربي. ولذلك فإن إستقرار مصر أو إضطرابها ينعكس بصورة مباشرة على التوازنات الإقليمية.
ولعل ما يميز التجربة المصرية بعد 30 يونيو أنها لم تتوقف عند إستعادة الإستقرار الأمني والسياسي، بل أنتقلت إلى مرحلة بناء شاملة أعتمدت على رؤية تنموية طويلة الأمد. فقد شهدت البلاد إطلاق سلسلة من المشروعات القومية الكبرى، من بينها مشروع تنمية محور قناة السويس، وإنشاء العاصمة الإدارية الجديدة، والتوسع في شبكات الطرق والكباري، وتطوير البنية التحتية للطاقة والكهرباء.
ووفقًا لبيانات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وتقارير المؤسسات الاقتصادية الدولية، تمكنت مصر خلال السنوات الماضية من تنفيذ برامج إصلاح إقتصادي واسعة النطاق، واجهت تحديات كبيرة لكنها ساهمت في تعزيز قدرة الإقتصاد المصري على الصمود أمام أزمات عالمية متلاحقة، بدءًا من جائحة كورونا وصولًا إلى تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية.
وعلى المستوى الأمني، خاضت الدولة المصرية مواجهة معقدة ضد التنظيمات الإرهابية، خصوصًا في شمال سيناء. وقد شكلت العملية الشاملة “سيناء 2018” نموذجًا لجهود الدولة في مكافحة الإرهاب وتجفيف مصادره، الأمر الذي أنعكس إيجابًا على الأمن الداخلي المصري وعلى أمن المنطقة ككل، بالنظر إلى الطبيعة العابرة للحدود التي تتسم بها التنظيمات المتطرفة.
أما في السياسة الخارجية، فقد شهدت مصر خلال السنوات اللاحقة العودة إلى موقعها كلاعب محوري في الإقليم. ويكفي النظر إلى الدور المصري في ملفات غزة وليبيا والسودان، فضلًا عن إنخراطها الفاعل في القضايا الإفريقية وقضايا الأمن البحري في البحر الأحمر وشرق المتوسط، لإدراك حجم التحول الذي شهدته مكانة الدولة المصرية خلال العقد الأخير.
ومن زاوية يمنية، تبدو دلالات 30 يونيو أكثر وضوحًا. فاليمن، مثل غيره من الدول التي عانت من الصراعات والإنقسامات، يقدم مثالًا حيًا على حجم التحديات التي تنشأ عندما تضعف مؤسسات الدولة أو تدخل في حالة من التفكك. ولذلك فإن التجربة المصرية تقدم درسًا مهمًا مفاده أن الإصلاح والتغيير، مهما كانت دوافعهما ومبرراتهما، لا يمكن أن ينجحا في غياب الدولة الوطنية القادرة على حماية المجتمع والحفاظ على وحدته.
لقد أثبتت السنوات التي تلت 2013 أن جمهورية مصر العربية أستعادت ثقلها الإستراتيجي والقومي العربي. فالقاهرة اليوم حاضرة في معظم الملفات الإقليمية المؤثرة، وتمتلك شبكة واسعة من العلاقات الدولية المتوازنة، وتؤدي دورًا محوريًا في دعم الأمن والإستقرار على المستويين العربي والإفريقي.
وبعد أكثر من ثلاثة عشر عامًا على ثورة 30 يونيو، لم يعد تقييم الحدث محصورًا في لحظته السياسية المباشرة، بل أصبح مرتبطًا بالنتائج التي ترتبت عليه. وعند قراءة هذه النتائج في سياقها التاريخي والإستراتيجي، يتضح أن الثورة مثلت محطة أساسية في الحفاظ على الدولة المصرية وهويتها الوطنية، وفي إعادة تموضع مصر كقوة إقليمية مؤثرة وركيزة رئيسية من ركائز الأمن القومي العربي.
ولعل أهم ما تؤكده تجربة 30 يونيو هو أن قوة مصر لم تكن يومًا شأنًا مصريًا خالصًا، بل كانت دائمًا جزءًا من قوة النظام العربي وإستقراره. فحين تكون مصر قوية ومستقرة، يكون العالم العربي أكثر قدرة على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل. وهذا ما يفسر إستمرار حضور 30 يونيو في الذاكرة السياسية العربية باعتبارها حدثًا تجاوز حدود الداخل المصري ليصبح محطة مفصلية في تاريخ المنطقة بأسرها.



