الرحمة أساس البيوت.. الشيخ أحمد سيف يوضح ميزان الحقوق والواجبات بين الزوجين

أكد الشيخ أحمد سيف، الداعية الإسلامي، أن الأصل الذي ينبغي أن يقوم عليه تعامل المسلم مع الناس هو أن يكون رحمة بينهم، مستشهداً بما ذكره الإمام عبد الوهاب الشعراني في حديثه عن العهود النبوية، حيث قال إن المؤمن الحقيقي يكون وجوده بين الناس مبنياً على الرحمة، فيعين غيره ويسهل عليهم أمورهم ويقرب المسافات بينهم، ويكون كذلك ميزان عدل بين الناس إذا حكم بينهم، فيحكم بالعدل والإنصاف دون ميل إلى طرف على حساب آخر.
وأضاف الشيخ أحمد سيف، خلال حلقة برنامج “العهود النبوية”، المذاع على قناة الناس، اليوم السبت، أن الإمام الشعراني بدأ حديثه بالتأكيد على هذا المعنى قبل الدخول في موضوع العهد، لأن العهد الذي سيذكره حساس، وغياب معاني الرحمة والعدل يؤدي إلى كثير من المشكلات في حياتنا اليومية، موضحاً أن من أهم ما يجب التنبيه عليه في العلاقات الإنسانية، وخاصة العلاقة الزوجية، أن يُرغَّب كل طرف في أداء ما عليه من حقوق للطرف الآخر، فيُرغَّب الزوج في الوفاء بحق زوجته وحسن عشرتها، وتُرغَّب الزوجة في الوفاء بحق زوجها وطاعته وعدم مخالفته، ويُتلى على كل واحد منهما ما ورد في ذلك عن الشارع صلى الله عليه وسلم.
وأشار إلى أن المشكلة التي نعيشها اليوم أن كثيراً من الخطاب يركز على حقوق الإنسان التي له، ولا يركز على الواجبات التي عليه، فيخرج كل طرف مشحوناً بما يظنه حقاً له عند الآخر، بينما خطاب النبي صلى الله عليه وسلم كان مختلفاً، إذ كان يخاطب كل طرف بما يجب عليه للطرف الآخر قبل أن يذكر له ما له من حقوق، حتى يشعر كل إنسان بالمسؤولية قبل أن يشعر بأنه صاحب حق.
وأوضح أن هذا المعنى يتجلى في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»، حيث خاطب كل إنسان أولاً بمسؤوليته، فالرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسؤول عن رعيته، فأسس النبي صلى الله عليه وسلم العلاقات على الشعور بالمسؤولية قبل المطالبة بالحقوق.
وبيّن الشيخ أحمد سيف أن إصلاح العلاقات الأسرية يبدأ من هذا الفهم، فكل إنسان ينبغي أن يسأل نفسه أولاً: ما حق الطرف الآخر عليّ؟ قبل أن يسأل عن حقه عنده، لأن الإنسان إذا أدى ما عليه، فإن النفس السوية ترد المعروف بمثله، وحتى إن لم يؤدِّ الآخر ما عليه، فإن الإنسان يلقى الله وهو صاحب حق لا صاحب ظلم.
وأشار إلى أن العلاقات يمكن أن تقوم على مرتبتين: مرتبة العدل ومرتبة الفضل، فمرتبة العدل هي أن يؤدي كل إنسان ما عليه من حقوق، أما مرتبة الفضل فهي أن يبذل الإنسان أكثر مما يجب عليه لإدخال السرور على الطرف الآخر، فيسعى كل طرف إلى خدمة الآخر بقدر استطاعته، فينشأ بذلك التوازن والسعادة والسكينة داخل البيوت.
وأضاف أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع ميزان الخيرية في الرجال حين قال: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»، مبيناً أن هذا الميزان اختص بالبيت لأن البيت هو المكان الذي تظهر فيه حقيقة الإنسان دون تكلف، فقد يستطيع الإنسان أن يظهر الصبر وحسن الخلق أمام الناس، لكن طبيعته الحقيقية تظهر مع أهله.
كما أشار إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وخياركم خياركم لنسائهم»، مؤكداً أن كمال الإيمان يظهر في حسن الخلق، وخاصة مع الزوجة والأهل، لأنهم أقرب الناس إلى الإنسان وأكثرهم احتكاكاً به.
وأوضح الشيخ أحمد سيف أن السيدة عائشة رضي الله عنها نقلت صورة دقيقة لأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم في بيته، حيث قالت إنه لم يكن يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، وإنما كان يغضب إذا انتهكت حرمات الله، أما أمور الدنيا التي تخصه فلم يكن يغضب لها، بل كان يعفو ويصفح.
وأكد أن ميزان الخيرية للنساء أيضاً واضح في السنة النبوية، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راضٍ دخلت الجنة»، كما قال: «إذا صلت المرأة خمسها، وحصنت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها ادخلي من أي أبواب الجنة شئت».
ولفت إلى قصة الصحابية أسماء بنت يزيد رضي الله عنها حين جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تسأله عن نصيب النساء من الأجر، إذ قالت إن الرجال يسبقونهن بأعمال مثل الجهاد وحضور الجمع والجماعات وشهود الجنائز، فبيّن لها النبي صلى الله عليه وسلم أن حسن تبعل المرأة لزوجها ورعايتها لبيتها يعدل ذلك كله من الأجر.
وشدد الشيخ أحمد سيف على أن المطلوب أن يخرج الناس من حالة الصراع بين الحقوق، وأن يتحول البيت إلى ساحة تنافس في الطاعة وخدمة الأسرة، فيسعى كل طرف إلى أداء ما أمر الله به تجاه الآخر، مؤكداً أن البيوت إذا بُنيت على هذا المعنى انتشر فيها التوازن والسعادة والسكينة.
ودعا بأن يصلح الله بيوت المسلمين، وأن يهيئ الأزواج والزوجات لحسن أداء ما أمر الله به، وأن يوفق الجميع لاتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في بناء الأسرة القائمة على الرحمة والعدل والفضل.



