وليد رشاد: الخلافات الزوجية أون لاين تُحوّل مشكلات البيت إلى رأي عام وتُهدد استقرار الأسرة

أكد الدكتور وليد رشاد، أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، أننا أمام ظاهرة اجتماعية متنامية تتعلق بتحول الخلافات الزوجية إلى محتوى يُنشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، موضحًا أننا أصبحنا نرى عبارات غامضة في “الستوري” أو منشورات تحمل رسائل مبطنة مثل “اللي مالوش خير فيّ مالوش خير في غيري” أو “في ناس بتبان على حقيقتها”، وهي عبارات يدرك الجميع أنها موجهة لشريك الحياة وتعكس خلافًا أسريًا داخل البيت، متسائلًا: متى تحولت مشكلات البيوت إلى رأي عام؟ ومتى أصبحت الخلافات بين زوجين شأنًا مطروحًا للجمهور؟
وأوضح أستاذ علم الاجتماع، خلال حلقة برنامج “ناس تك”، المذاع على قناة الناس، اليوم الثلاثاء، أن السوشيال ميديا قد تُكبر مشكلة صغيرة وتحولها إلى أزمة كبيرة، لافتًا إلى أن هناك من يُفرغ طاقته وغضبه عبر الإنترنت من الأزواج والزوجات على حد سواء، بل إن بعض الأبناء بدأوا يسلكون الاتجاه نفسه، وأصبح الإنترنت ساحة مفتوحة لعرض النزاعات الأسرية، بينما كان الخلاف قديمًا لا يتجاوز دائرة الأهل، أما الآن فبوست واحد كفيل بجلب عشرات التعليقات والآراء، وبعضها يحرض على التصعيد ويزيد حدة الخلاف، مشيرًا إلى أن لحظة غضب قد تتحول إلى تشهير دائم لا يمكن التراجع عنه، لأن الإنترنت لا ينسى حتى لو انتهت المشكلة.
وأضاف أن أخطر ما يحدث هو نشر أسرار البيوت وتحويل الأمور الخاصة إلى شأن عام، خاصة ما يتعلق بالمشكلات أو بالأبناء، موضحًا أن من أخطر أشكال الخلافات أون لاين “الستورى الغامض” أو الكلام غير المباشر الذي يبدو مبهمًا لكنه مفهوم للجميع، فضلًا عن نشر تفاصيل خاصة أو أسرار بيتية أو طلب الدعم العلني من الجمهور، وهو ما يدفع البعض لمهاجمة الطرف الآخر ويزيد الخلافات بدلاً من تقليلها، إلى جانب المقارنات العلنية من قبيل “بص فلان بيعمل إيه لمراته”، وهو ما يخلق ضغطًا نفسيًا حتى لو لم تكن الصورة حقيقية.
وأشار الدكتور وليد رشاد إلى أن الإنسان في لحظة الغضب يبحث عن التأييد، وعندما يحصل على تعاطف إلكتروني يشعر وكأنه أخذ حقه، لكن هذا الشعور وهمي، مؤكدًا أن من يظن أنه كسب جولة على الإنترنت قد يخسر بيته وعلاقته على أرض الواقع، موضحًا أن دراسات وأبحاث اجتماعية تؤكد أن التصعيد العلني للنزاعات الأسرية يقلل فرص الحل الهادئ والودي ويزيد العناد بين الأطراف، كما يخلق حرجًا لأي طرف يحاول التراجع أو الصلح بعد خروج المشكلة إلى العلن.
وبيّن أن الآثار بعيدة المدى لا تتوقف عند فقدان الخصوصية وكسر الثقة بين الزوجين، بل تمتد إلى إحراج الأسرة أمام الأهل والأصدقاء، وحتى إذا عاد الزوجان لبعضهما يبقى أثر الإحراج قائمًا، فضلًا عن التأثير السلبي على الأطفال الذين يتعرضون لحرج وضغط نفسي بسبب ما يُنشر، إضافة إلى تراكم الغضب وتحول الخلاف إلى مسألة كرامة أمام الناس، وهو ما يجعل الصراع ينتقل إلى المجال العام ويصعب احتواؤه.
وشدد أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية على ضرورة التعامل بحكمة مع أي خلاف، مؤكدًا أن المشكلات تُناقش بعيدًا عن الشاشات لأن الشاشة ليست ساحة للحل بل للتصعيد، ناصحًا بعدم الكتابة في لحظة الغضب، وإن كان لا بد من التفريغ فيمكن كتابة ما يشعر به الإنسان ثم مسحه أو جعله خاصًا دون نشره، لافتًا إلى أن دراسات نفسية تشير إلى أن أول 24 ساعة من الخلاف تكون الأكثر حدة، ثم تبدأ المشاعر في الهدوء، وغالبًا ما يتراجع الإنسان عن فكرة النشر، داعيًا كل زوجين إلى تذكر أن العلاقة ليست مباراة يكسب فيها طرف أمام الجمهور، بل مسؤولية مشتركة تُحل داخل البيت بعيدًا عن العالم الرقمي.



