التأمين السيبراني.. صمام أمان الاقتصاد الرقمي في مواجهة مخاطر غير مسبوقة

كتب / عاطف طلب
في عصرٍ باتت فيه البيانات وقود الاقتصاد، لم يعد الأمن السيبراني رفاهية تقنية، بل ضرورة استراتيجية تمس بقاء المؤسسات واستقرار الأسواق. فمع تسارع التحول الرقمي واعتماد الشركات والحكومات والأفراد على البنية التحتية الرقمية، تتعاظم في المقابل المخاطر السيبرانية، من هجمات الفدية واختراقات البيانات إلى سرقة الهوية والاحتيال الإلكتروني، بما يحمله ذلك من خسائر مالية جسيمة وتداعيات خطيرة على السمعة وثقة العملاء.
وسط هذا المشهد المعقد، برز التأمين السيبراني كأداة محورية لإدارة المخاطر الرقمية، حيث يوفر مظلة حماية مالية تساعد المؤسسات على التعافي السريع من الحوادث الإلكترونية، وضمان استمرارية الأعمال في بيئة تتسم بعدم اليقين.
التأمين السيبراني.. لماذا أصبح ضرورة؟
أصبحت الهجمات الإلكترونية أكثر دقة وتنظيمًا، مستهدفة التطبيقات والشبكات وسلاسل التوريد والمستخدمين. واختراق واحد كفيل بتعطيل الأعمال، وخسارة العملاء، وفرض غرامات تنظيمية باهظة. كما قد تتحمل الشركات مسؤوليات قانونية جسيمة حال تسرب بيانات أطراف ثالثة.
وتُبرز التجارب العالمية أهمية هذا النوع من التأمين؛ إذ تكبدت إحدى الشركات العالمية في 2011 خسائر تجاوزت 170 مليون دولار عقب اختراق بيانات 77 مليون مستخدم، في غياب أي تغطية تأمينية سيبرانية، ما اضطرها لتحمل التكلفة كاملة.
مكاسب استراتيجية متعددة
يمكن تلخيص أهمية التأمين السيبراني في عدة محاور رئيسية:
الحماية المالية: تغطية تكاليف استعادة البيانات، والغرامات التنظيمية، والإشعارات القانونية، وتعويضات المتضررين.
استمرارية الأعمال: تعويض خسائر توقف النشاط وتسريع استعادة الأنظمة.
تعزيز المرونة السيبرانية: دفع المؤسسات لتطبيق معايير أمنية أعلى كشرط للحصول على التغطية.
الامتثال التنظيمي: المساهمة في مواجهة متطلبات حماية البيانات والخصوصية.
حماية السمعة: دعم إدارة الأزمات والتواصل مع العملاء لاستعادة الثقة.
خريطة المخاطر السيبرانية: أين تكمن الخسائر؟
شهدت التهديدات السيبرانية تحولًا نوعيًا، مع توظيف الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق في الهجمات، ما أدى إلى ارتفاع تكلفة الحوادث رغم تحسن إجراءات الحماية. وتتمركز الخسائر الكبرى في أربعة محاور:
1- برامج الفدية:
لا تزال المصدر الأبرز لمطالبات التأمين السيبراني، متورطة في نسبة كبيرة من اختراقات البيانات والأنظمة، مع تصاعد تكلفتها بفعل الابتزاز المزدوج وأتمتة الهجمات.
2- الاحتيال عبر البريد الإلكتروني للأعمال:
يمثل أحد أخطر التهديدات “الصامتة”، مع تطور أساليب انتحال الشخصيات التنفيذية واختراق مراسلات الموردين، ما يؤدي إلى تحويلات مالية احتيالية واسعة النطاق.
3- اختراقات البيانات:
ارتفعت تكلفة الاختراقات إلى مستويات قياسية، مدفوعة بتوسع الدعاوى القضائية والتشريعات الأكثر صرامة، إضافة إلى إعادة استغلال البيانات المسربة في هجمات لاحقة.
4- مخاطر سلاسل التوريد:
أصبح اختراق طرف ثالث أو مزود خدمة بوابة للوصول إلى مئات المؤسسات دفعة واحدة، مع تضاعف نسبة الحوادث المرتبطة بالأطراف الخارجية خلال عامي 2024/2025.
سوق عالمي ينمو… وفجوة حماية تتسع
سجل سوق التأمين السيبراني العالمي نموًا لافتًا، ليصل إلى أكثر من 16 مليار دولار بنهاية 2025، مع توقعات بتضاعفه بحلول 2030. ورغم ذلك، لا يزال يمثل أقل من 1% من إجمالي أقساط تأمين الممتلكات والمسؤوليات عالميًا، ما يعكس فجوة حماية سيبرانية مقلقة.
وتشير التقديرات إلى أن أقل من نصف المؤسسات المؤهلة عالميًا تمتلك وثيقة تأمين سيبراني مستقلة، فيما يتحمل الاقتصاد خسائر تفوق الخسائر المؤمن عليها بأضعاف، نتيجة ارتفاع التكاليف، وتعقيد إجراءات الاكتتاب، وضعف الوعي، وحدود التغطية.
الذكاء الاصطناعي… سلاح الهجوم والدفاع
يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا مزدوجًا؛ فهو من جهة يعزز قدرات المهاجمين، ومن جهة أخرى يمثل أداة فعالة للدفاع والكشف المبكر عن التهديدات. وتشير الدراسات إلى أن المؤسسات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي في أمنها السيبراني نجحت في خفض متوسط تكلفة الاختراقات بملايين الدولارات، وتسريع احتواء الحوادث.
تنظيم رقابي داعم في مصر
في هذا السياق، جاء قرار الهيئة العامة للرقابة المالية رقم 227 لسنة 2025 ليؤكد أهمية الجاهزية التكنولوجية وتعزيز الأمن السيبراني لدى الجهات العاملة في الأنشطة المالية غير المصرفية، مع إلزامها بالحصول على وثيقة تأمين ضد مخاطر الأمن السيبراني، وإجراء اختبارات اختراق دورية، واعتماد أطر حوكمة واضحة لتكنولوجيا المعلومات.
اتحاد شركات التأمين: التأمين السيبراني ركيزة الاقتصاد الرقمي
يرى اتحاد شركات التأمين المصرية أن التأمين السيبراني بات عنصرًا أساسيًا لحماية الاقتصاد الرقمي ودعم رؤية مصر 2030، مؤكدًا أن هذا النوع من التأمين لا يغني عن الإجراءات الوقائية، بل يكملها ضمن منظومة متكاملة لإدارة المخاطر. كما يشدد على ضرورة تطوير منتجات مرنة، وبناء قدرات فنية متخصصة، وتعزيز الوعي لدى الشركات، خاصة الصغيرة والمتوسطة.
في النهاية، لم يعد السؤال: هل سنتعرض لهجوم سيبراني؟ بل متى وكيف سنستعد له؟ وفي عالم تحكمه البيانات والتكنولوجيا، يظل التأمين السيبراني أحد أعمدة الصمود الاقتصادي، وأداة لا غنى عنها لمواجهة تحديات العصر الرقمي بثقة وكفاءة.



