فى رحاب «أُم العواجز».. الصعايدة يحتفلون بالليلة الختامية لمولد السيدة زينب عقيلة بني هاشم رضي الله عنها •

كتب /أحمد البشلاوي •
تصوير: هراس أبوجاد •
تعيش القاهرة هذه الأيام واحدة من أبرز مناسباتها الدينية والروحية، تتمثل فى احتفالات الطرق الصوفية بمولد السيدة زينب، رضى الله عنها، رئيسة الديوان وسليلة بيت النبوة، التى بدأت منذ أكثر من أسبوع، وتُختتم فعالياتها بالليلة الختامية الكبرى، مساء اليوم، وسط أجواء إيمانية وروحانية تجمع بين الذكر والمديح والمحبة، وتعكس عمق الارتباط الشعبى بآل بيت النبى، صلى الله عليه وسلم.

وامتد الاحتفال بمولد السيدة زينب لعدة أيام، جاذبًا الآلاف من المريدين ومحبى آل البيت. وتحولت المنطقة الواقع فيها مسجد «أم العواجز» إلى قبلة للزائرين من مختلف محافظات الجمهورية، بعدما توافدت أفواج المُحبين إليها حاملين رايات الطرق الصوفية، ومُرددين الأذكار والصلوات على النبى، صلى الله عليه وسلم، فى أجواء تسودها السكينة والطمأنينة.
تُعد الليلة الختامية لمولد السيدة زينب، المقررة إقامتها مساء اليوم، ذروة الاحتفالات، خاصة مع ما تشهده من توافد أعداد كبير، لتمتلئ الساحات المحيطة بمسجد وضريح السيدة زينب بعشرات الآلاف من الزائرين، فى مشهد روحانى مهيب تختلط فيه أصوات الذكر بالمدائح، وترتفع فيه الأكف بالدعاء.
ويحرص مواطني محافظات جنوب الصعيد وخاصة أبناء مراكز وقري محافظة قنا على المشاركة فى الليلة الختامية، كلٌ بطريقته الخاصة
وشاركت نحو ٢٠ طريقة صوفية، على مدار الأيام الماضية، فى تنظيم حلقات ذكر جماعى وإنشاد دينى، فى مشهد روحانى يعكس مكانة آل البيت فى قلوب المصريين•
وأقامت كل طريقة صوفية احتفالًا دينيًا خاصًا بها داخل «المسجد الزينبى» ومحيطه. وحرص مشايخ هذه الطرق على توجيه المريدين بالالتزام بالآداب الصوفية، وتنظيم حلقات الذكر وفق التقاليد المتعارف عليها.
وانطلقت حلقات الذكر عقب صلاتى المغرب والعشاء، وتنوعت بين الذكر الجماعى، وقراءة الأوراد الصوفية والأحزاب، إلى جانب الإنشاد الدينى، الذى تناول سيرة السيدة زينب ومناقبها، ومدح النبى محمد، صلى الله عليه وسلم، وسط تفاعل كبير من الحضور، الذين ردّدوا الأذكار والابتهالات فى أجواء غلب عليها الخشوع والسكينة.
وامتدت مظاهر الاحتفال إلى محيط المسجد، حيث انتشرت الدروس العلمية ومجالس الذكر، داخل المسجد وخارجه. ولم تقتصر الاحتفالات على مظاهر الذكر والإنشاد فقط، بل شملت أيضًا تنظيم دروس دينية وندوات توعوية ألقاها عدد من دعاة ومشايخ الطرق الصوفية، داخل الساحات والمقار المنتشرة فى السيدة زينب، تناولت سيرة حفيدة النبى، ودورها فى التاريخ الإسلامى، وأهمية الاقتداء بأخلاقها ومواقفها.

وأكد النائب فتحي قنديل عضو مجلس النواب بدائرة مركز نجع حمادي بمحافظة قنا وأحد المحبين للسيدة زينب رضي الله عنها أن الاحتفال بالمولد لا ينفصل عن جوهر الدين، بل يهدف إلى إحياء القيم النبيلة، ونشر المحبة، وتعزيز روح التسامح، مشددين على أن آل بيت النبى، صلى الله عليه وسلم، يمثلون قدوة فى الأخلاق والسلوك.
وشهدت الاحتفالات مشاركة واسعة من النساء والمريدات والأسر. وحرص العديد من السيدات على زيارة المقام الشريف والدعاء. فيما اصطحبت الأسر أطفالها لتعريفهم بهذه المناسبة الدينية، وغرس قيم المحبة والانتماء فى نفوسهم منذ الصغر. وأعرب عدد من المشاركات عن اعتزازهن بالمشاركة فى مولد السيدة زينب، مُعتبرة أن هذه المناسبة تمثل جزءًا من الهوية الدينية والاجتماعية للمجتمع المصرى.
.نظّمت الطرق الصوفية «الهاشمية والتجانية والشبراوية» عددًا من المجالس العلمية والفكرية الموسعة بمقارها المختلفة، تزامنًا مع الاحتفالات بذكرى مولد السيدة زينب، بهدف مواجهة الفكر المتطرف وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وتعزيز الوعى الدينى الصحيح بين مختلف فئات المجتمع، خاصة فئة الشباب.
وأكد شيوخ الطرق المنظمة لهذه المجالس أن التصوف كان، ولا يزال، أحد أهم الحصون الفكرية فى مواجهة الغلو والتشدد، لما يحمله من قيم سامية تقوم على المحبة والتسامح واحترام الآخر والالتزام بمنهج أهل السنة والجماعة.
وشهدت المجالس حضور عدد كبير من مشايخ الطرق الصوفية، وعلماء الأزهر الشريف، وأئمة وخطباء المساجد، إلى جانب حشود من المريدين ومحبى آل بيت النبى. وأكد مشايخ الطرق الصوفية، خلال كلماتهم ومحاضراتهم، أن الاحتفال بمولد السيدة زينب لا يُعد مجرد مناسبة دينية أو شعبية، بل يمثل مدرسة أخلاقية وفكرية تستدعى استحضار القيم التى جسدتها حفيدة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعلى رأسها الشجاعة فى مواجهة الظلم، والعلم والحكمة والقدرة على نشر الحق بالحكمة والموعظة الحسنة.
وتناولت المجالس العلمية عددًا من المحاور الفكرية المهمة، من بينها خطورة التيارات المتشددة على وحدة المجتمع واستقراره، والفرق بين التدين الصحيح والتدين الزائف الذى تتبناه الجماعات المتطرفة، ودور التصوف فى ترسيخ مفهوم التزكية وبناء الإنسان المتوازن روحيًا وفكريًا، ومكانة آل بيت النبى وأثر محبتهم فى تهذيب السلوك الإنسانى، وأهمية العلم الشرعى الصحيح فى تحصين العقول من الأفكار المنحرفة.
وخُصصت جلسات حوارية مفتوحة مع الشباب، تم خلالها الاستماع إلى تساؤلاتهم ومناقشة القضايا الفكرية المعاصرة، والرد على الشبهات التى يروّجها بعض الجماعات المتطرفة عبر وسائل التواصل الاجتماعى، مؤكدين أن العلم والحوار هما السبيل الأمثل لمواجهة الفكر المنحرف، وليس الإقصاء أو العنف. وشدّد علماء الأزهر على أن الطرق الصوفية لعبت عبر التاريخ دورًا وطنيًا بارزًا فى الحفاظ على الهوية الدينية المعتدلة، ومقاومة التطرف والإرهاب، مؤكدين أن التعاون بين الأزهر الشريف والطرق الصوفية يمثل ركيزة أساسية فى نشر ثقافة السلام والتعايش المشترك.
وتخللت الفعاليات حلقات للذكر والإنشاد الدينى، التى عكست الأجواء الروحية للمناسبة، وأسهمت فى تعزيز القيم الإيمانية، وربط الحضور بالبُعد الروحى للإسلام، باعتباره دينًا يجمع بين العبادة والسلوك القويم والعمل الصالح.
وأكد منظمو المجالس أن هذه الفعاليات تأتى ضمن خطة متكاملة للطرق الصوفية تهدف إلى تكثيف الأنشطة العلمية والتوعوية خلال المناسبات الدينية، وتحويلها إلى منصات حقيقية لنشر الوعى، ومواجهة التطرف بالفكر المستنير، وبناء جسور التواصل مع الشباب.
واختُتمت المجالس بالدعاء لمصر قيادةً وشعبًا بالأمن والاستقرار، وللأمة العربية والإسلامية بالخير والسلام، مؤكدين أن رسالة التصوف ستظل قائمة على إصلاح القلوب قبل العقول، وترسيخ منهج الوسطية والاعتدال، وحماية المجتمع من الأفكار الهدامة التى تستهدف استقراره ووحدته.

قال الدكتور عبدالهادى القصبى، شيخ مشايخ الصوفية رئيس المجلس الأعلى للطرق الصوفية، إن مولد السيدة زينب، رضى الله عنها، يُعد إحدى أبرز المناسبات الدينية والاجتماعية فى مصر، لما يحمله من خصوصية روحية وثقافية، ولقدرته على جمع مختلف أطياف المجتمع المصرى فى مشهد يعكس وحدة الشعب وتنوعه.
وأضاف أن الاحتفال بمولد السيدة زينب لا يقتصر على كونه مناسبة دينية فحسب، بل يمثل حالة إنسانية واجتماعية متفردة، تمتزج فيها مشاعر المحبة والتسامح والتكافل، حيث يشارك فى فعالياته المواطنون من مختلف المحافظات والانتماءات، فى صورة تعكس عمق التدين الوسطى الذى تتميز به الشخصية المصرية.
وأشار يوسف أحمد إلى أن الطرق الصوفية تحرص سنويًا على تنظيم مجالس الذكر والدروس العلمية والإنشاد الدينى، إلى جانب الندوات التى تتناول السيرة العطرة لآل بيت النبى، صلى الله عليه وسلم، مؤكدًا أن هذه الفعاليات تسهم فى ترسيخ القيم الأخلاقية والروحية، وتعزز ثقافة السلام والمحبة بين الناس.
وشدد «يوسف» على أهمية الحفاظ على الطابع الروحى والحضارى للاحتفال، بالتنسيق مع مؤسسات الدولة المختلفة، لضمان تنظيم المولد بشكل يليق بمكانة السيدة زينب، رضى الله عنها، وبما يحفظ سلامة الزائرين ويحقق الانضباط العام، مشددًا على أن الاحتفال بمولد السيدة زينب سيظل رمزًا من رموز الهوية الدينية والثقافية فى مصر، ودليلًا حيًا على تماسك المجتمع المصرى وقدرته على الاحتفاء بقيمه الروحية الجامعة فى أجواء من الأمن والاستقرار.
وأوضح الشيخ أسامة مغربي أن العديد من الطرق الصوفية نقل أنشطته بالكامل إلى مقاره الرسمية، حيث تم تنظيم مجالس ذكر، وندوات عن سيرة السيدة زينب ومكانتها فى التاريخ الإسلامى، إضافة إلى تقديم خدمات محدودة للزائرين داخل أماكن مغلقة ومرخصة، وبالرغم من تقليص المظاهر الخارجية، توافد الآلاف من الزائرين من مختلف المحافظات، بعضهم حرص على زيارة المقام الشريف والدعاء، وآخرون شاركوا فى حلقات الذكر داخل الساحات.
وقال هراس جاد انه بالتوازى مع الأجواء الروحانية، شهدت المنطقة المحيطة بمسجد السيدة زينب حالة من الرواج التجارى الملحوظ، حيث انتشرت الأكشاك وباعة الحلوى التقليدية، والكتب الدينية، والمسابح، وأعلام الطرق الصوفية.
وعرض الباعة الحلوى والمصوغات الفضية وألعاب الأطفال والحمص وغيرها. بينما بادر الأهالى بتوزيع الطعام والمشروبات على الزائرين، فى صورة تعكس روح التكافل والتلاحم الاجتماعى المرتبطة بموالد آل البيت.
وأكد عدد من أصحاب المحال التجارية أن موسم المولد يمثل فرصة سنوية مهمة لتنشيط حركة البيع، وتعويض فترات الركود، مشيرين إلى أن الإقبال الكبير من الزائرين يسهم فى دعم الاقتصاد المحلى، وتوفير فرص عمل مؤقتة للشباب.
من جانبها، كثفت الجهات المعنية استعداداتها لتأمين الاحتفالات، خاصة مع قدوم الليلة الختامية، عبر تنظيم حركة المرور بمحيط المنطقة، وزيادة الوجود الأمنى، وتوفير سيارات إسعاف وخدمات طبية تحسبًا لأى طوارئ



